أزمة طائفة أم ثنائي حزبي؟

جورج حايك
حزب الله وحركة امل

لا أحد في لبنان ينكر أن الشيعة هم مكوّن أساسي في العقد الاجتماعي اللبناني، لكن كثراً يتساءلون لماذا يظهر كأن لهم مشروع آخر مختلف عن بقية المكوّنات اللبنانية المتنوّعة مثل السنّة والمسيحيين والدروز وغيرهم؟

ويبدو أن أداء الثنائي الحزبي الشيعي “حزب الله” وحركة “أمل” يُعزز هذا الانطباع، وخصوصاً عبر تغريده خارج السرب اللبناني وخياراته السياسية والانتخابية التي تسعى إلى البقاء في لبنان القديم المتخبّط في حالة من عدم الاستقرار والفساد، والتبعية للخارج أي ايران، وهذا ما بات مقلقاً لكل فئات الشعب اللبناني بمن فيها الشيعة الذين تعرَضوا بسبب خيارات “الحزب” واستراتيجيته الموالية لإيران، إلى نكبة قتلت أبناءهم ودمّرت بيوتهم وشرّدتهم في كل لبنان أو الخارج.

في الحقيقة، الانطباع بأن الشيعة مختلفون ومنبوذون ويتم اقصاؤهم، هو انطباع غير دقيق، بل ظالم لهذا المكوّن الوطني الذي لا يختلف عن المكوّنات اللبنانية الأخرى بانتمائه إلى لبنان، ويقدّم معارض شيعي لسياسات “الحزب” هذه القراءة التاريخية التي تثبت نضال هذه الطائفة وولاءها للبنان قبل مرحلة “الحزب”، ويروي: صحيح أن الشيعة تمسكوا بعد سقوط السلطنة العثمانية بمشروع الوحدة العربية، وعبّروا عن هذا الأمر في مؤتمر وادي الحجير الشهير في تموز 1920، إلا أنهم سرعان ما أدركوا أهمية الانخراط في مشروع الدولة اللبنانية الجديد، وخاضوا معمودية الدم في مقاومة الاحتلال الفرنسي وطالبوا برعاية الدولة اللبنانية وحمايتها، لافتاً إلى أنه بعد الاستقلال اتخذت المشاركة السياسية الشيعية وجه “المطلوبية”، كي لا نقول “المحرومين”، وطالب الشيعة بضرورات التنمية والتطوير في المرافق العامة من مدارس وكهرباء ومياه ووظائف وخفض للضرائب.

والمفارقة أن الأمر لم يتغيّر كثيراً في الستينيات مع بروز الإمام السيد موسى الصدر وطرح نفسه كبديل عن زعامات العائلات الشيعية الاقطاعية، فأنشأ “حركة المحرومين” من أجل إزالة الحرمان الذي يعاني منه الشيعة والشباب، وأنشأ أفواج المقاومة اللبنانية “أمل” كجناح عسكري للحركة بهدف حماية المجتمع الشيعي ومصالحه. وعلى الرغم من هالة الإمام الصدر إلا أن حضوره لم ينسِ اللبنانيين قامات شيعية كبيرة مرّت على رئاسة مجلس النواب مثل الرؤساء صبري حمادة وكامل الأسعد وحسين الحسيني.

ويؤكّد المعارض الشيعي أن بيروت بين الستينيات والسبعينيات، أصبحت مدينة ليبرالية متطوّرة، ما شجع العديد من أفراد المجتمع الشيعي على الانتقال إلى العاصمة من أجل العمل والعيش في ضواحيها. زاد هذا النزوح من حجم المجتمع الشيعي في العاصمة وأقام مناطق ذات غالبية شيعية، مثل الضاحية الجنوبية لبيروت.

أما التحوّل الكبير فكان في الثمانينيات مع نجاح الثورة الاسلامية في إيران، الاجتياح الاسرائيلي للبنان، انتهاء النظام شبه الاقطاعي في المجتمع الشيعي، الحرب الأهلية وعسكرة الشباب الشيعي، الفشل في تغيير النظام السياسي، ظهور طبقة من الشخصيات الدينية المحافظة، اختفاء الصدر، فنشأ “حزب الله” وبدأت حركة “أمل” تتراجع عسكرياً. اشتدت المواجهة بين “مقاومة” الحزب من جهة والجيش الاسرائيلي حتى انسحابه من الجنوب والبقاع تطبيقاً للقرار الدولي 425، وصادر “الحزب” الانتصار. ويشير المعارض الشيعي إلى أن “الحزب” عمل بعد العام 2000، على تعزيز حضوره الاجتماعي من خلال خلق الأموال لمؤسساته ومنظماته الاجتماعية والاقتصادية أو زيادتها. أنشأ مؤسسات في جميع المجالات تقريباً، كما عمل على زيادة تأثيره على الشيعة اللبنانيين الذين يعيشون في الخارج وأنشأ خلايا مقاتلة هناك تعمل على التجنيد وجمع الأموال. بالاضافة إلى ذلك، ازدهرت الأعمال المخالفة للقانون التي ارتبط إسم “الحزب” بها من تهريب للمخدرات، ونقل الأسلحة، وتبييض الأموال، وزعزعة استقرار الكثير من الدول، الأمر الذي دفع العديد من دول العالم إلى تصنيفه كمنظمة إرهابية عابرة للحدود.

بالفعل، ساهم “الحزب”، بصورة أساسية، في توريط لبنان بأزمات سياسية وخارجية كبيرة نتيجة لتدخلاته الاقليمية، فدفع لبنان ثمن ذلك مع تفاقم الأزمات فيه. وساهم، عن قصد أو عن غير قصد، في الأزمة الاجتماعية العميقة داخل المجتمع الشيعي، كما الأزمات الاقتصادية المرتبطة بصورة مباشرة بسوء العلاقة بين لبنان ودول العالم، بالاضافة إلى الأزمة السياسية الحالية في لبنان، وعمل “الحزب” على تقويض أي مسعى شعبي تغييري وأي اتفاق سياسي بين قوى لبنان المؤثرة.

من جهتها، التحقت “أمل” طوعاً بسياسة “الحزب” اما خوفاً أو لحماية مصالحها، فبات هناك ما يُسمّى “الثنائي الشيعي”، علماً أن هذه الثنائية لا تمثّل كل الشيعة انما قسم كبير منهم، وفق المعارض الشيعي، وللأسف اتخذ الثنائي من الطائفة إحدى الدوائر التي يستخدمها للاحتماء خلفها على غرار الدائرة الأساسية التي انبثق منها وهي دولة الثورة العنفية، ودائرة سلاحه التي تشكل علة وجوده، ودائرة الإمساك بمفاصل السلطة في لبنان لتوظيفها في مشروعه، ودوائر أخرى طبعاً أقلّ أهمية تندرج في الاطار نفسه.

ويرى المعارض الشيعي أن “عجرفة” الحزب واستكباره خلال عامي 2023 و2024 وتحت شعار “حرب مساندة” غزة، التي دفعته إليها إيران أوصلاه إلى الهلاك، وقد جرّ معه كل الطائفة الشيعية الكريمة، متخذاً منها ومن الشعب اللبناني رهينة نتيجة عقيدته التي لا قيمة فيها للحياة والانسان، بل يتعامل مع الحروب وما ينتج عنها وكأنها من المسائل الطبيعية الروتينيّة.

وعندما وافق على اتفاق وقف اطلاق النار المذل مع اسرائيل، وقّع على هزيمته، فتوقّفت الحرب، وانقشع غبار المعركة، واكتشف الجميع هول الصدمة: خسائر بشريّة بأعداد مخيفة ودمار كبير ونزوح أدى إلى كارثة اجتماعية!

ويتساءل المعارض الشيعي: هل يعقل أن يورِّط الحزب لبنان واللبنانيّين في حربين مدمّرتين بأقل من عقدين، وهو مَن بادر إلى الحرب؟ والأسوأ من ذلك كلّه أنّه لا يزال يخاطب اللبنانيين بوقاحة من خلال دفاعه عن وجهة نظر نتائجها الكارثية كفيلة وحدها بالتحدث عن نفسها.

وبات كثير من الشيعة “المنكوبين” اليوم مقتنعاً بأن هناك جريمة ارتكبت بحقّه، وأقلّ ما يجب أن يفعله “الحزب” ليس تسليم السلاح الى الدولة وحسب، إنما محاسبته على ما ارتكبه.

أما ما يجري اليوم، فيؤكّد المعارض الشيعي أن “الحزب” لا يزال يُكابر ويمارس الإنكار، جنباً إلى جنب مع “أمل”، فهو خسر الحرب، وقد حاول أن يأخذ بالاستقواء رئاستي الجمهورية والحكومة إلا أنه، لم يبقَ أمامه اليوم سوى دائرة طائفته لاستخدامها في التحريض والتعبئة على أنّها “مهزومة ومستضعفة” على غرار ادعاءاته أنّ دوره كبّر دور طائفته، فيما الحقيقة غير ذلك تماماً باعتبار أنّ دوره قاد هذه الطائفة إلى الموت والهجرة والعزلة.

وعدا عن أن الكلام حول “التعاطي مع الطائفة الشيعية على أنّها مستضعفة ومهزومة” هو كاذب ومضلِّل ومذهبي بغيض، فإنه تحريض مكشوف على الفتنة، فيما الطوائف كلها في لبنان كانت مستضعفة ومستهدفة من “الحزب” الذي استهدف كل شيعي وسني ودرزي ومسيحي يريد دولة طبيعية في لبنان.

ومعلوم أن “الحزب” يحاول التلطي خلف الطائفة الشيعية بالكلام الفتنوي الكاذب عن استضعاف هذه الطائفة، فيما من استضعفها وغيرها هو من رفض تطبيق الدستور، ورفض المساواة تحت سقف القانون، ورفض دور الدولة، ورفض الشراكة، ورفض الحياد، واللائحة تطول…

لا شك في أن “الحزب” لا يزال يسلك المنحى التعطيلي والتهديدي منذ انتخاب رئيس الجمهورية، ويوضح المعارض لـ”الحزب” أن هذا يؤشر إلى أنّه إمّا لم يقرأ بعد المتغيرات الاستراتيجيّة في المنطقة ولبنان والتي قلبت المشهد والمعادلة رأساً على عقب، وإمّا لم يتأقلم معها بعد وبحاجة الى مزيد من الوقت، أو لم يستوعب ما حدث ويحدث بسبب ضخامته، ولكن الأكيد أنّه لم يخرج بعد من صدمة انتهاء دوره العسكري في لبنان والمنطقة، وصدمة تراجع نفوذ الدولة الراعية له ودورها إلى داخل حدودها.

ويضيف: “اعتاد هذا الحزب احتكار القرار وكونه صاحب المبادرة في الاستحقاقات تسهيلاً أم تعطيلاً، ولم يستوعب بعد أنّ ميزان القوى السياسي الجديد في لبنان والمنطقة أفقده زمام المبادرة، والقدرة على احتكار القرار، فلم يعد باستطاعته لا انتخاب الرئيس الذي يريده ولا منع الانتخاب، ولا تكليف رئيس الحكومة الذي يريده ولا منع التكليف، ولن يكون باستطاعته لا تأليف الحكومة التي يريدها ولا منع تشكيلها”.

لقد بات ضرورياً أن يقوم “الحزب” بمراجعة نقدية لقراءة هادئة للمتغيرات التي ليس باستطاعته تغييرها ولا الانقلاب عليها، بل ممانعته المستمرة ترتد سلباً عليه وعلى بيئته، فضلاً عن كونه ممانعة بلا أفق سياسيّ لا على المستوى المحلي ولا على المستوى الإقليمي، وما حصل في غزة ولبنان وسوريا مرشّح للاستمرار في العراق واليمن وصولاً إلى إيران نفسها.

وبالمختصر أو بالملخّص لقد انتهى زمن “الدويلة” في لبنان، وبدأ الزمن اللبناني، أي زمن الدولة والقرارات الدولية والدستور والقوانين، وعلى جميع القوى الانتظام تحت هذا السقف، ومن يرفض الانتظام يهمِّش نفسه ويتحمّل مسؤولية تموضعه، فيما لن يبقى من “الحزب” سوى صوته، وتأثيره الذي تراجع كثيراً اليوم وسينتفي نهائيّاً غداً.

شارك المقال