كيف سيتعامل ترامب مع الشرق الأوسط الملتهب؟

جورج حايك

بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولايته الثانية أمس، وتتجه أنظار شعوب دول الشرق والغرب إلى الاستراتيجية التي سيتعامل بها مع الأزمات الدولية الكبيرة وخصوصاً الشرق الأوسط الذي شهد في العامين الفائتين تطوّرات دراماتيكية بين اسرائيل والفلسطينيين وسوريا وايران ولبنان.

لكن الحقيقة أن ترامب هو صاحب شعار “أميركا أولاً”، وبالتالي سيركّز في بداية ولايته على تحسين الأوضاع الأميركية وخصوصاً الاقتصادية، وقد ورث عن سلفه جو بايدن مشكلات عديدة على هذا الصعيد.

أما في ما يتعلق بالشرق الأوسط، فلا بد من الاعتراف بأن إدارة بايدن ستسلّم إدارة ترامب منطقة تغيّرت فيها بعض الأمور ايجابياً، وفي جردة حساب على أرض الواقع، لقد أضعفت اسرائيل القوة العسكرية الايرانية بعد قصفها لأنظمة الدفاع فيها بحيث دمّرت كل الدفاعات الجوية والصاروخية الاستراتيجية الايرانية و90% من قدرتها على إنتاج الصواريخ الباليستية في ليلة 26 تشرين الأول الفائت. وقلّمت أظافر “حماس” وقطعت رأس قيادة “حزب الله”، وفككت نظام القيادة والسيطرة لديه، ودمّرت 80 في المئة من صواريخه، إضافة إلى إضعاف “الحوثيين”. كل ذلك، أدى إلى تحريك هجمات “هيئة تحرير الشام” التي أطاحت نظام الأسد في سوريا بعد نصف قرن في السلطة، وبذلك لم يعد لإيران ممر بري لإمداد “الحزب” بالسلاح. كما دخلت اسرائيل و”حماس” في هدنة يجري خلالها تبادل للرهائن والأسرى، وحتماً كان لإدارة بايدن دور كبير في تحقيق ذلك.

لا شك في أن هذا ما كان يريده ترامب، أي تسلّم مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأميركية من دون معارك ساخنة في الشرق الأوسط، ممكن أن تشغله عن قضايا تُعتبر أكثر أهمية وفق استراتيجيته، ولا سيما الحد من الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة وتحسين الاقتصاد فيها، والصراع مع الصين وحل النزاع بين روسيا واوكرانيا.

من الواضح أن ترامب رجل أعمال ناجح، ويبرع في إجراء الصفقات، وخلافاً لاعتقاد كثيرين، هو يتجنّب الحروب بل يهرب منها إلا إذا فُرِضَت عليه، ويلفت مسؤول كبير في إدارات أميركية سابقة خلال ندوة عن سياسات ترامب، إلى أن الرئيس الأميركي الذي أعيد انتخابه لولاية ثانية قرأ جيداً ما كتبه الجنرال البروسي والمنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز بأن “الحرب أداة وليست غاية في حد ذاتها”، وما سيركّز عليه ترامب في الشرق الأوسط هو أمران: الأول التهديد النووي الايراني والثاني إنهاء حرب غزة نهائياً، عندها سيكون في وضع جيد ليستأنف المهمة الأكبر وهي التطبيع الاسرائيلي السعودي.

إلا أن المسؤول الأميركي السابق يعتبر أن طريق ترامب قد لا تكون مفروشة بالورود، لأن ايران التي تلقّت كل هذه الخسائر خلال فترة قياسية لن تتخلى عن برنامجها النووي العسكري الطموح بسهولة وخصوصاً انها أصبحت قاب قوسين من تصنيع مواد انشطارية تقترب من الدرجة التي يمكن استخدامها في صنع الأسلحة النووية، وهذا ما سيُشكّل تحدياً كبيراً لترامب، ولن يكون مستبعداً أن يلجأ إلى الخيار العسكري الذي تنتظره اسرائيل للسماح لها بمهاجمة البنية الأساسية النووية الايرانية لمنع هذا التهديد، بدعم من ادارة ترامب. لكن ذلك، لن يكون متاحاً قبل أن يستنفد الرئيس الأميركي وسائل الضغط من عقوبات وتهديدات لفظية، لإجبار ايران على الجلوس الى طاولة المفاوضات والرضوخ سياسياً، ووفق صفقة معينة، لشروط ترامب.

أما تصوّر ترامب لليوم التالي في غزة وقد أصبح قريباً، فسيتم بالشراكة مع الدول العربية ولا سيما السعودية، وفق المسؤول الأميركي السابق، فرئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو لن ينسحب من غزة في ظل استمرار سيطرة “حماس”، إلا أن ضغوط ترامب على نتنياهو وقدرته على التعامل معه فعّالة أكثر من ضغوط بايدن، وقد تؤدي إلى قبوله بحل ديبلوماسي يقوم على انتشار قوات إماراتية ومصرية ومغربية وأوروبية في غزة بدعم أميركي، إلا أن هذه القوات المتعددة الجنسيات لن تشارك، إلا إذا ضمنت دوراً للسلطة الفلسطينية في غزة وانسحبت اسرائيل منها.

ولن تكون مهمة ترامب سهلة، بعد كل ما فعلته اسرائيل في غزة، بأن يُعزز فرص التقارب بين الدولة العبرية والسعودية، ما سيفرض عليه ممارسة ضغوط على نتنياهو ليُقدّم مكتسبات للفلسطينيين وخصوصاً للسلطة كي تتولى إدارة دولة موعودة، وهذا ما سيفتح باب التفاهم بين السعودية واسرائيل، ليحقّق ترامب الهدف الأقصى.

لكن يتساءل المسؤول السابق في الإدارات الأميركية والخبير بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي، هل سيكون كافياً للسعودية تحقيق خطة سلام اسرائيلية فلسطينية تميل لصالح الأولى بشدة؟ انطلاقاً من ولايته الأولى، لن يسمح ترامب بضم جزء كبير من الضفة الغربية رسمياً، مع رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين، في مقابل الاستثمار الإقليمي والوعود بإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح وتفتقر إلى السيادة، وهذا ما رفضه الفلسطينيون سابقاً لأنه يمنع احتمال قيام دولة فلسطينية حقيقية يحلمون بها.

هناك في الفريق الاستشاري لترامب من يعتقد أن الأخير سيستفيد من قدرته على ارضاء كل الأطراف في صفقاته، وسيقدّم للفلسطينيين حوافز مالية واقتصادية مغرية تقوم على المقايضة بين الحقوق السيادية الفلسطينية والازدهار الاقتصادي، مع إقناع الفلسطينيين بأنه لا وجود لاتفاق آخر ممكن، وخصوصاً أن مغامرة “حماس” أضعفت موقف الفلسطينيين بعدما خسروا كل شيء نتيجة آلة الدمار الاسرائيلية.

واللافت أن مستشاري ترامب لا يستبعدون تجدد الحرب بين اسرائيل و”حماس”، ويؤكدون أن ادارته ستدعم اسرائيل إذا لم يصمد وقف إطلاق النار، الذي أُعلن عنه في 15 كانون الثاني الجاري.

ويشير المسؤول الأميركي السابق إلى أن الكيمياء الشخصية بين القادة الأميركيين والاسرائيليين سوف تشكل أيضاً السياسة الأميركية تجاه إسرائيل. وسطوة ترامب ستُجبر نتنياهو على القيام بأشياء، مثل السماح بدخول المساعدات الانسانية إلى غزة، والجدير بالذكر أنه خلال المفاوضات بشأن وقف إطلاق النار، قرأ مبعوث ترامب إلى الشرق ألأوسط ستيفن ويتكوف على نتنياهو قانون الشغب، الأمر الذي ساهم في تسريع موافقته على الهدنة!

على الرغم من كل شيء، لن يتوقّف دعم واشنطن لتل أبيب، بل سيتكثّف تزويدها بالسلاح النوعيّ لاستكمال الحرب ضد أذرع ايران كالحوثيين أو للضغط على “حزب الله” للالتزام بوقف إطلاق النار، وفق المسؤول الأميركي السابق، الذي تطرّق في ندوته الى لبنان وسوريا اللذين تسلّمتهما إدارة جديدة. بالنسبة إلى ترامب، هو يعتبر رئيس الجمهورية المنتخب في لبنان جوزاف عون صديقاً لواشنطن يُمكن الاعتماد عليه لإيجاد حلّ دائم لسلاح “الحزب”، وبناء دولة فعلية. أما سوريا فلا شك في أن ترامب يتعامل معها بحماسة أقل من لبنان، لكن حتماً الادارة الجديدة ستتعامل مع “هيئة تحرير الشام” كأمر واقع، مع مراقبة الصراع بين الأكراد والأتراك، وتحركات “داعش” هناك.

ينتظر الشرق الأوسط الرئيس ترامب الذي يعني ما يقوله ويُخطّط له، ويملك القدرات والقوة الكافية لتحقيق ما ليس متوقعاً اليوم في هذه المنطقة من العالم!

شارك المقال