دائماً ما حُكم لبنان بالتوافق، ولطالما عُرفت التوافقية المعتمَدة كفلسفة حكم في النظام اللبناني منذ الاستقلال، ولأن لبنان بلد متعدد الطوائف، بات يُحسم تشكيل الحكومة على هذا الأساس، حتى يكون الجميع ممَثلين، ولا تبقى أي طائفة بحكم المغبونة.
في هذه المرحلة والتي تعتبر مفصلية للبنان ومعه المنطقة، أصبح من الضروري على السياسيين التنبه الى عدة مسائل، خصوصاً أن العين على البلد وعليهم بالدرجة الأولى، وهذه المسائل تُعتبر بحد ذاتها تحديات كبرى على مستوى البلد، لعل أبرزها الاعمار بعد الحرب المدمرة وتثبيت تطبيق وقف إطلاق النار والذي ينص على انسحاب إسرائيل وأيضاً الالتزام بتنفيذ القرار ١٧٠١ الذي ينص على ابتعاد “حزب الله” عن الحدود، ونزع السلاح من كل المجموعات المسلحة وبالتالي حصره بيد القوى الشرعية، ويبقى التحدي الاقتصادي أساسياً جداً وضرورة المضي بإصلاحات ملحة للدفع بعجلة الاقتصاد المنهار منذ ما يقارب الخمس سنوات.
ليس بالاقتصاد وحده يضعف لبنان، فالبلد يعاني من نظام سياسي يقوم على المحاصصة الطائفية، ما يجعل اتخاذ القرارات الكبرى أمراً معقداً، وعلى مرّ المرحلة السابقة مروراً بالتدهور الاقتصادي وصولاً الى الحرب الأخيرة، كان لبنان قد فقد الكثير من الدعم الدولي والعربي بسبب أزماته الداخلية تلك وعجزه عن اتخاذ قرارات سياسية واضحة، وهو الآن ومع وصول رئيس للجمهورية الى قصر بعبدا ورئيس حكومة مكلف، يقع على عاتقه تأليف حكومة تعيد بناء علاقات لبنان مع المجتمع الدولي والدول العربية، وعملية استعادة الثقة هذه تتطلب تبني سياسات مستقلة ومتوازنة أهمها الالتزام بتنفيذ الاصلاحات المطلوبة من المجتمع الدولي والسعي مع الدول المانحة الى ضمان الحصول على الدعم اللازم لإعادة البناء على الصعد كافة.
تشير كل الأوساط الى أن الرئيس المكلف نواف سلام يعمل على تشكيل حكومة فاعلة ومنتجة ومنسجمة ومتعاونة قادرة على حل الأزمات التي يعاني منها لبنان، وأنه يميل إلى حكومة من شخصيات متخصصة بعيدة عن المحاصصة، على قاعدة فصل النيابة عن الوزارة وليس تكنوقراط. الرئيس المكلف عاد وأكد في خطاب تكليفه أن حكومته لن يغيب عنها أي من المكونات اللبنانية، ولن تقصي أحداً، وذلك رداً على كلام صدر عن “حزب الله” وموقف واضح من رئيس مجلس النواب نبيه بري، عبّر عنه بعدم حضوره الاستشارات الملزمة، فسعى سلام الى طمأنتهما، خلال اللقاءات التي جمعته ببري ووفد من “حزب الله” برئاسة محمد رعد، حول المشاركة في الحكومة ووفق أي صيغة أو قواعد، انطلاقاً من توزيع الحقائب السيادية إلى مستوى التمثيل ومسار التعاطي في إدارة المرحلة المقبلة. كما أبدى الرئيس المكلّف مستوى عالياً من الانفتاح والتفاهم والإصرار على الشراكة وجمع كل المكونات السياسية، وعليه ننتظر الايجابيات في التعاطي بالمثل والتوقف عن لغة الاستقواء والتعالي.
هي أيام وتبصر حكومة ٢٤ وزيراً النور، كما تشي به الأجواء المحيطة برئيس الحكومة المكلف، الذي يواصل مشاوراته مع مختلف المكونات السياسية وبعد إزالة العراقيل المتعلقة بمشاركة الثنائي الشيعي في الحكومة، ما يؤكد فكرة أن لبنان محكوم بالتوافق للخروج من الأزمات، وهذا ما كانت تنطوي عليه سياسات الرئيس سعد الحريري، الذي وإن لامه البعض على عملية ربط النزاع التي اعتمدها مع الحزب في فترة سابقة، إلا أنه كان محقاً في رؤيته بأن أي إصلاحات تترتب على البلد، لا بد وأن تشارك فيها كل الأطراف لينهض، وما هو المهم أكثر من شكل الحكومة أخصائية كانت أم حزبية، إشراك الجميع في عملية إنقاذ لبنان، لأنه بلد لا يُحكم لا بالقوة ولا بالتسلط ولا بالأيديولوجيات، ولا يتماشى معه الحكم البوليسي، وهذا ما اكتشفه كثيرون وآخرهم “حزب الله”، الذي ارتضى أن يتمثل في الحكومة أسوة بغيره من الأطراف، لا لشيء إلا لأن لبنان بلد لجميع من يريدون أن يكونوا أبناءه.


