بيروت: غلاء المعيشة وأمل الاصلاح الاقتصادي

سوليكا علاء الدين

إحتلت بيروت المرتبة السابعة ضمن مؤشر تكلفة المعيشة العالمي لعام 2025 على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفقاً للتقرير الصادر عن قاعدة البيانات العالمية “نامبيو”. ويستعرض التقرير الفوارق الكبيرة في تكاليف المعيشة بين المدن حول العالم مقارنةً بمدينة نيويورك، ليبرز تصنيف العاصمة اللبنانية كدلالة واضحة على التحديات الاقتصادية العميقة التي تمر بها المدينة. تجلّت هذه التحديات في الارتفاع الكبير لتكاليف المعيشة، ما أسفر عن تأثيرات سلبية مباشرة على حياة المواطنين، بحيث تفاقمت معاناتهم اليومية بصورة ملحوظة وأصبحت أعباء الحياة أكثر ثقلاً على كاهلهم.

“نامبيو”: أداة اقتصادية

تُعد “نامبيو” من الأدوات الأساسية لتحليل التوجهات الاقتصادية على الصعيدين العالمي والاقليمي، إذ توفر بيانات دقيقة وشاملة حول تكاليف الحياة في مختلف المدن. تعتمد مقاييسها على مقارنة أسعار السلع والخدمات الأساسية مع تلك الموجودة في مدينة نيويورك. يركز تقرير “نامبيو” على عدة مؤشرات رئيسية تشمل تكاليف المواد الغذائية، ووسائل النقل، والمطاعم، والخدمات العامة، بالاضافة إلى تكاليف الإيجار. هذا التنوع في المؤشرات يتيح للمقيمين والزوار والمستثمرين فرصة فهم تكاليف الحياة في مدن متعددة، ما يساعدهم على اتخاذ قرارات مدروسة بشأن الاقامة أو الاستثمار.

بيروت: أزمة تكلفة المعيشة

وبحسب التقرير، سجلت بيروت 42.4 في مؤشر تكلفة المعيشة، ما وضعها في مرتبة متأخرة عالمياً، بحيث احتلت المركز 168 على مستوى العالم. ويُشير هذا التصنيف بوضوح إلى التحديات الاقتصادية الكبيرة التي يواجهها السكان، في ظل التضخم المستمر والأزمات المالية الحادة التي تعصف بالبلاد.

ومن خلال تحليل أعمق لمؤشرات المدينة، تظهر التباينات الواضحة بين مختلف عناصر تكلفة المعيشة. على سبيل المثال، سجل مؤشر الإيجار 18.1، ما يعكس انخفاضاً ملموساً في أسعار الإيجار مقارنةً بأسعار السلع الأساسية التي سجلت 33.5. وعلى الرغم من هذا الانخفاض، بلغ مؤشر تكلفة المعيشة مع الإيجار 31.6، ما يشير إلى أن تأثير الإيجار على تكاليف المعيشة العامة لا يزال بارزاً. وفي ما يخص أسعار المطاعم، سجل المؤشر 41.2، ما يبرز الارتفاع الكبير في تكاليف تناول الطعام في بيروت مقارنةً بعدد من العواصم العالمية الأخرى. أما مؤشر القوة الشرائية، فقد سجل 32.0، الأمر الذي يوضح ضعف القدرة الشرائية للمواطنين اللبنانيين مقارنة بغيرها من المدن، نتيجة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.

فما هي العوامل الاقتصادية التي تفسر هذا الارتفاع؟

يعود الارتفاع الملحوظ في تكلفة المعيشة في بيروت إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية المعقدة التي تواصل الضغط على المواطنين، بحيث تتشابك هذه العوامل معاً لتشكل بيئة اقتصادية صعبة تزيد من تحديات الحياة اليومية للمواطنين.

أزمات متفاقمة

منذ خريف العام 2019، يواجه لبنان أزمة اقتصادية خانقة تسببت في انهيار حاد لقيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، ما أسفر عن ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع والخدمات. هذا التدهور المستمر جعل تكلفة الحياة اليومية في بيروت تفوق قدرة العديد من السكان الذين يواجهون صعوبة في تلبية احتياجاتهم الأساسية. كما أسهم النمو السريع للاقتصاد المدولر في زيادة تعرض الأسر التي لا تستطيع الوصول إلى الدولار الأميركي لمخاطر مضاعفة جراء تصاعد التضخم. من جهة أخرى، أثرت أزمة أموال المودعين في لبنان بصورة كبيرة على تكلفة المعيشة، بحيث أدت إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية وزيادة الضغوط المالية على المواطنين. ومع انهيار القطاع المصرفي وعجز المودعين عن الوصول إلى أموالهم، تدهورت الثقة بالنظام المالي، ما ساهم في انخفاض إضافي في سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار. وقد أدّت هذه التقلبات الحادة في قيمة الليرة إلى تآكل سريع للقدرة الشرائية للأسر اللبنانية.

وتجدر الإشارة إلى أنّ السوق اللبناني يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد، بحيث يشكّل استيراد السلع نحو 97.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الذي يُقدّر بنحو 17.9 مليار دولار وفقاً للبنك الدولي. وتُعد هذه النسبة المرتفعة مؤشراً واضحاً على تدهور الانتاج المحلي في لبنان، بحيث يعزز الاعتماد على الاستيراد كأحد المصادر الرئيسية لتلبية احتياجات السوق المحلي. وعليه، ارتفعت تكاليف السلع المستوردة بصورة ملحوظة، خصوصاً في ظل تقلبات أسعار العملة وارتفاع أسعار الشحن، ما ساهم في زيادة الضغط على المواطنين ورفع تكاليف المعيشة.

حرب وتداعيات

وتتراكم الأزمات في لبنان، حيث تضاف أزمة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي إلى الأزمات الاقتصادية والمالية، ما يزيد من الصعوبات المعيشية. ومؤخراً أسهمت التوترات الأمنية الناجمة عن حرب أيلول الأخيرة في إيجاد بيئة اقتصادية غير مستقرة، ما أعاق أي محاولات لتحسين الاقتصاد الوطني. ففي العام 2024، سجل الاقتصاد اللبناني انكماشاً بنسبة 5.7 في المئة على الأقل بسبب الصراع المستمر، بينما كان من الممكن تحقيق نمو محدود بنسبة 0.9 في المئة في حال غياب تلك التوترات. وفقاً لتقديرات البنك الدولي، يعقّد هذا الوضع الأزمة الاقتصادية المستمرة في لبنان، التي شهدت خمس سنوات متتالية من الانكماش الحاد، تجاوزت نسبته 34 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي. هذه الخسارة تعادل تراجعاً في النمو الاقتصادي على مدار 15 عاماً، في إشارة إلى عمق الدمار الذي لحق بالاقتصاد والمواطن اللبناني.

إضافة إلى ذلك، تسببت الحرب في تراجع كبير في مستوى النشاط التجاري لشركات القطاع الخاص اللبناني في أيلول 2024، حيث سجل معدل الانخفاض أدنى مستوى له منذ كانون الأول 2021. نتيجة لهذا التدهور، اضطر العديد من الشركات إلى خفض أعداد موظفيه بسبب تراجع حجم الأعمال الجديدة، ما زاد من الأعباء الملقاة على كاهل اللبنانيين وأدى إلى تفشي البطالة وغياب مصادر الدخل. ووفقاً لتقرير صادر عن منظمة العمل الدولية، يواجه 85 في المئة من اللبنانيين صعوبات كبيرة في تغطية التزاماتهم المالية، فيما وصف 62 في المئة منهم وضعهم المالي بأنه “صعب جداً”. كما أشار التقرير إلى أن مستويات البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً تُعد الأكثر حدة، بحيث بلغت 47.8 في لبنان، مسجلة بذلك أعلى نسبة في العالم العربي لعام 2022. ناهيك عن تضاعف معدلات الفقر أكثر من ثلاث مرات خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة، ما يعني أن واحداً من كل ثلاثة لبنانيين أصبح يعيش تحت خط الفقر.

تضخم عالمي

إلى جانب الأزمة الاقتصادية المحلية، يعاني لبنان من تأثيرات التضخم العالمي التي تفاقمت بفعل جائحة كوفيد-19 والاضطرابات الجيوسياسية المستمرة، مثل الصراع بين روسيا وأوكرانيا والحروب المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط. وقد أثر هذا التضخم بصورة بالغة على اقتصادات العالم كافة، حيث تسببت اختلالات سلاسل الإمداد في زيادة تكاليف المواد الخام والنقل، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية. ولم يقتصر التأثير على الاقتصادات العالمية وحسب، بل عمّق أيضاً الأزمة الاقتصادية في لبنان، فزاد من الأعباء الملقاة على عاتق اللبنانيين. ومع تصاعد أسعار السلع والخدمات الأساسية، عجز العديد من الأسر في بيروت عن تغطية نفقاته، بسبب تآكل دخله وضعف قدرته الشرائية.

تحسن قادم

تتضافر هذه العوامل بصورة مترابطة لتجعل تكلفة المعيشة في بيروت من بين الأعلى في المنطقة، ما يضع المواطن اللبناني أمام تحديات اقتصادية كبيرة يصعب التكيف معها. ومع بداية انفراج الأزمات السياسية من خلال انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً جديداً للجمهورية وتكليف نواف سلام بتشكيل الحكومة، يُتوقع أن يفتح ذلك الباب أمام تحسن اقتصادي شامل في مختلف المجالات، ما يعزز التغيير الإيجابي على الصعيدين المالي والاجتماعي. إن هذا التحسن، المدعوم بتنفيذ إصلاحات هيكلية شاملة، من شأنه أن يعيد بناء الثقة الاقتصادية والاجتماعية، ويوفر الفرصة لوضع استراتيجيات فاعلة وطويلة الأمد تهدف إلى تحسين الوضع المالي وتعزيز الاستقرار المعيشي في لبنان عموماً، وفي بيروت خصوصاً.

شارك المقال