سلط تقرير في موقع “نيويورك تايمز” الضوء على الهجرة المناخية في ضوء التغييرات غير المعهودة في المناخ وتبعاتها على أكثر من قطاع وأولها الزراعة والاقتصاد. وشارك أوستين جافني “قصة مؤثرة ومؤلمة عن الهجرة المناخية والقرار الصعب بين إعادة البناء أو الرحيل إلى مكان آخر. ويواجه السكان الخيار بين التمسك بأرض الأجداد أو البحث عن مستقبل أكثر أماناً، وهذا ما يعكس معضلة عالمية في ظل تزايد الكوارث المناخية”.
وانطلق الكاتب من مثال كنتاكي حيث يتوجب على السكان الاختيار بين البقاء أو الانتقال إلى مجتمعات جديدة بُنيت على مواقع مناجم فحم سابقة، بعد أن دمر فيضان بلدتهم. وفي هذا السياق، برز نهر كاني حيث اجتاح فيضان كارثي عام 2022 هذا المكان الهادئ، ما أسفر عن مقتل 45 شخصاً. وانتقل العديد من الناجين من الفيضانات إلى مجتمعات جديدة بُنيت على مواقع مناجم الفحم التي تعلو الجبال المحيطة بأراضيهم.
ويطرح السكان في محيط نهر كاني منذ الفيضان، التساؤل حول البقاء أم الرحيل. وهو السؤال نفسه الذي يكافح للإجابة عنه عشرات الآلاف من السكان في لوس أنجلوس بعد أن دمرت الحرائق أحياءً بأكملها هذا الشهر. ومنذ بداية تغطية الفيضانات التي تؤثر على ولاية كنتاكي في العام 2021، التوتر مستمر بين الرغبة في الهروب من المناطق المعرضة للفيضانات والتمسك بالجذور العائلية الممتدة عبر أجيال. وبينما تؤثر الكوارث الطبيعية المرتبطة بالمناخ على المجتمعات في جميع أنحاء البلاد، فإن الموارد المالية والروابط الأسرية والتجارب الصادمة تلعب دوراً رئيسياً في تحديد ما إذا كان الناس سيبقون أم يرحلون.
التأقلم مع المناخ والصناعة الاستخراجية
ويتم حالياً بناء سبع مجتمعات جديدة على المرتفعات بتمويل من ولاية كنتاكي، وهي تعكس العلاقة المعقدة بين المجتمعات المتضررة من المناخ والصناعات الاستخراجية مثل تعدين الفحم. ولكن مع تراجع وظائف الفحم، ترك ذلك فراغاً كبيراً في الاقتصاد المحلي، ما جعل من الصعب الحفاظ على المدارس والبنية التحتية وإدارة الحكومات المحلية. وفي مفارقة قاسية، يشكل احتراق الوقود الأحفوري، مثل الفحم، السبب الرئيسي لتغير المناخ، والذي أدى بدوره إلى هطول أمطار أكثر كثافة وتكراراً، ما زاد من مخاطر الفيضانات.
التمسك بالأرض رغم المخاطر
ولكن حتى مع المخاطر، لا يستطيع الجميع مغادرة المنطقة، كما لا يرغب الجميع بذلك. ومنذ الفيضان، بقي حوالي ثلاثة أرباع المجتمع في مكانه، لكن عدد السكان انخفض بسبب الهجرة والوفيات.
ومع تزايد عدد الكوارث الطبيعية المرتبطة بالمناخ، يتكرر هذا السيناريو في العديد من المناطق حول العالم: هل ينبغي إعادة بناء المجتمعات في المواقع نفسها التي دمرتها الكوارث، أم البحث عن أراضٍ جديدة أكثر أماناً؟ ما حدث في كنتاكي مجرد مثال على الخيارات الصعبة التي يواجهها الناس في جميع أنحاء العالم مع تغير المناخ، بحيث يتعين عليهم موازنة التقاليد العائلية مع الحاجة إلى السلامة والأمان.
وكان مقال في موقع Earth المتخصص في قضايا الأرض والمناخ قد حذر من أن “الهجرة المناخية تحدٍ متعدد الأبعاد يتطلب عملاً عالمياً”. ووفقاً للمقال، “بينما يتصارع العالم مع التأثيرات المتصاعدة لتغير المناخ، تتكشف أزمة صامتة: ملايين الأشخاص يقتلعون من ديارهم، ليس بسبب الحرب أو الاضطهاد، ولكن بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر، والجفاف المدمر والأحداث الجوية المتطرفة. ولم تعد الهجرة المناخية مصدر قلق بعيد؛ بل أصبحت حقيقة ملحة تتطلب العمل الفوري والتعاون العالمي لحماية النازحين بسبب الاضطرابات البيئية.
وتشير الهجرة المناخية إلى حركة الأفراد أو المجتمعات التي تضطر إلى ترك ديارها بسبب التغيرات البيئية الناجمة عن تغير المناخ أو تفاقمها. وتشمل هذه التغيرات البيئية الكوارث المفاجئة، مثل الأعاصير والفيضانات وحرائق الغابات، فضلاً عن الظواهر البطيئة مثل التصحر وارتفاع مستويات سطح البحر والجفاف المطول. وعلى عكس المهاجرين الاقتصاديين، الذين ينتقلون في المقام الأول بحثاً عن فرص أفضل أو اللاجئين الفارين من الاضطهاد، فإن المهاجرين المناخيين مدفوعون بالتأثيرات المباشرة وغير المباشرة للتدهور البيئي. وتتسبب الكوارث المفاجئة مثل الأعاصير والفيضانات وحرائق الغابات في نزوح الملايين سنوياً. وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، سجل أكثر من 218 مليون نزوح داخلي في جميع أنحاء العالم على مدار العقد الماضي بسبب الكوارث المرتبطة بالمناخ”.


