لم تقتصر تبعات الحرب على حجم الدمار، القتل والتشرّد، بل اصطحبت معها موجة من التعديات استغلالاً لغياب سلطة الدولة والقانون. وطبعاً هذا لا يعني أن التعديات لم تكن موجودة في السابق، إلاّ أنها تضاعفت ربما، واتخذت من حالة “التفلّت” غطاءً لها، بإعتبار أن الناس والأجهزة الأمنية أصبحت إهتماماتها في مكان آخر، “مين فاضي يحاسب حدا على قطع شجرة؟”.
التعدّي على الأحراج، والثروة النباتية في لبنان ليس بالأمر الجديد أو المستحدث، وهو ليس وليد الحرب، علماً أننا خسرنا نسبة كبيرة من غطائنا الأخضر بسبب القصف والاستهدافات وقنابل الفوسفور التي كان هدفها تحويل مناطق وقرى النزاع الى أماكن محروقة. ولأن الفرصة مؤاتية لتجار الحرب الذين يحوّلون نكباتنا إلى فرص للمنفعة المادية، نشر بعض أهالي القرى الحدودية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً في بلدتي وادي الحجير والسلوقي، صوراً لأشخاص لم يتم تحديد هويتهم، وهم يقومون بقطع الأشجار، وأبرزها السنديان، علماً أن المكان الذي تقطع فيه الأشجار مصنّف بأنه محمية طبيعية، وهذا النوع من “السرقات” والتعدي، ينشط مع اقتراب فصل الشتاء وخلاله، لتجارة الفحم واستعماله للتدفئة.
جمعية “الجنوبيون الخضر”، كانت من ضمن المنظمات التي سلطت الضوء على هذا النوع من الانتهاكات، خصوصاً بعد الحرب، وبالتواصل مع الجمعية نفسها، أشار المعنيون لموقع “لبنان الكبير”، الى أنهم بصدد اتخاذ إجراءات قانونية ضد كل من يثبت تورطه في هذه الانتهاكات، بهدف محاسبة الجناة طبقاً للقوانين المرعية الإجراء. وأكدوا ادانة الجمعية بشدة أعمال قطع الأشجار، التي تُعد انتهاكاً للنظم البيئية وتساهم في الاخلال بتوازنها، ما يضر بالتنوع البيولوجي واستدامته. يأتي ذلك في وقت لا نزال نعيش فيه تداعيات الإبادة البيئية التي مارسها الاحتلال الاسرائيلي بصورة ممنهجة ضد الأحراج والغابات وكروم الزيتون والأشجار المثمرة. وبناءً على ذلك، نعتبر أن كل من يتورط في هذه الأعمال شريك للاحتلال في تلك الجرائم البيئية.
وفي ما يخص الخطوات التي يجب إتباعها لحماية المحميات، أوضح المعنيون أن “حماية المحميات تتطلب تعزيز الدعم للجان إدارة المحميات والبلديات، وضرورة التنسيق بينها عبر وضع آليات واضحة لهذه الغاية، بالتعاون مع الوزارات المعنية، مثل وزارتي البيئة والزراعة، إضافة إلى قوى الأمن الداخلي. وتتمثل مهمة هذه الجهات في حماية المحميات والأحراج من الانتهاكات. على سبيل المثال، في ما يتعلق بالتعديات الحاصلة بقطع الأشجار في محمية وادي الحجير والسلوقي، ينبغي التنسيق بين إدارة المحمية واتحاد بلديات جبل عامل وبنت جبيل لوضع خطة حماية تتضمن برنامج مراقبة واستجابة فورية لأي تعدٍّ، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية”.
ولفتوا الى أن تعزيز الوعي البيئي حول أهمية التنوع البيولوجي يُعد من أهم وسائل الحماية، إلى جانب إشراك المجتمعات المحلية في البلدات المتضررة في جهود الحفاظ على البيئة. لطالما شجعنا وعملنا على ذلك من خلال الأنشطة والأندية البيئية، بالاضافة إلى إشراك المزارعين وأهالي المنطقة في جهود الحماية.
ورأوا أن من المفيد دراسة جدوى تركيب كاميرات مراقبة تساعد في رصد الانتهاكات، خصوصاً في المحميات الواسعة مثل وادي الحجير والسلوقي، حيث تعدد الطرق والممرات يتيح للمعتدين التنقل بسهولة. وفي هذا السياق، نتطلع إلى الحكومة الجديدة للبتّ في ملف حراس الأحراج، الذي تأخر كثيراً، إذ إن تعيينهم من شأنه المساهمة في حماية الأحراج في مختلف المناطق اللبنانية.
وشددت الجمعية، بحسب المعنيين، على ضرورة تعزيز عمل لجان إدارة المحميات، التي تشكل إطاراً يجمع بين السلطات المحلية والبلديات والوزارات المعنية، لا سيما وزارتي البيئة والزراعة، إضافة إلى ممثلين عن الجمعيات البيئية الأهلية، مؤكدة أهمية إشراك مختلف قطاعات المجتمع، باعتبارهم أصحاب مصلحة مباشرة، في وضع الخطط والاستراتيجيات الخاصة بإدارة المحميات وحمايتها.
ووفق قانون “الغابات” في لبنان، تنص المادة 12: لا يرخص في قطع الشجر في غابات الدولة على مستوى الأرض الا اذا اقتضى هذا الأمر ظرف قاهر. ويكون الترخيص في مثل هذه الحال بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء.
وبحسب المادة 144 التي عدلت بموجب قانون 195 / 2000، تنص على أن: “كل من يقطع أو يقلع خلافاً لأحكام هذا القانون أشجاراً يزيد محيطها عن عشرين سنتيمتراً على علو متر فوق الأرض يعاقب بالغرامة من عشرة آلاف الى خمسمائة ألف ليرة لبنانية عن كل شجرة مقطوعة أو مقلوعة حسب ضخامتها وتحسب الغرامة بنسبة وزن الشجرة المقطوعة أو المقلوعة اذا كان محيطها يقل عن عشرين سنتيمتراً بمعدل ألفي ليرة عن كل كيلوغرام من الحطب وخمس وعشرين ألفاً عن كل كيلوغرام من الفحم. ويمكن أن يحكم أيضاً بالسجن من عشرة أيام الى ستة أشهر. ويعاقب بالعقوبة نفسها من يخالف أحكام المادتين 26 و27. وتزاد العقوبة الى عشرين ضعفاً اذا وقع القطع على شجر الأرز واللزاب”.
وعطفاً على القانون، اعتبرت الجمعية أن حجم العقوبة لا يتناسب مع فداحة الجرم نفسه وحجمه، وذكر المعنيون بأنهم طالبوا في أكثر من مرّة بتعديل القانون وتشديد العقوبات لتصبح رادعة.
وأشارت الجمعية الى أن أبناء الجنوب بعد الحرب، عرفوا قيمة الشجر بعد الإبادة التي تعرضت لها الأحراج من الجيش الإسرائيلي، وأدركوا تماماً أن قيمة الشجرة الواحدة تضاهي بيوتهم وأرزاقهم التي خسروها أيضاً.
ورفض المعنيون تبني التبريرات التي من شأنها التخفيف من الجرم، مثل أن الناس بحاجة الى وسائل تدفأة، أو الى أموال كونهم خسروا أرزاقهم في الحرب، مشددين على أن قطع الأشجار جريمة تستوجب المحاسبة، ومن يقوم بهذا الفعل هو شريك للإحتلال في التعدي على الأحراج.


