نواف “القاضي”… في “غابة” السياسة اللبنانية!

ياسين شبلي
نواف سلام

لم يمضِ على تكليف القاضي نواف سلام تشكيل الحكومة سوى أقل من شهر، إلا أن الهجمات التي يتعرض لها منذ اليوم الأول لتكليفه لم يتعرض لها غيره من رؤساء الحكومات سواء إبان التكليف أو بعد التشكيل، سوى ما كان يتعرض له الرئيس الشهيد رفيق الحريري في بعض المراحل، و”وريثه السياسي” الرئيس سعد الحريري في كل المراحل، بشكل يبدو وكأن القائمين بالحملة – وما أكثرهم من كل الجهات – يريدون “أكل راسو” على الطريقة اللبنانية وهو القادم من خارج الطبقة السياسية التقليدية كما كان الرئيس الشهيد وكذلك وريثه سعد الذي وضعه القدر فجأة في هذا المجال، على الرغم من الاختلافات بين الشخصيات الثلاث وتجاربها الشخصية سواء في الحكم أو في الحياة العملية.

بدأت الحملات مع “الكذبة” التي أطلقها البعض وصدَّقها بأنه هو من أتى بنواف سلام، مع العلم أن “الشمس طالعة والناس قاشعة” بالبلد، حيث كان هناك مرشحان لا ثالث لهما وهما الرئيس نجيب ميقاتي من طرف الموالاة والنائب فؤاد مخزومي من طرف المعارضة، فكان أن “جاءت التعليمة” كالعادة من جهة ما في هذا العالم، فاصطف الجميع ومشوا بسلام على طريقة “مجبر أخاك لا بطل”، ومع ذلك أصرَّ البعض على لعب دور البطل عبر محاولة الإيحاء بأنه “صانع الرؤساء” ومن هذا المنطلق يحق له أن يمارس الوصاية على الرئيس المكلَّف تشكيل الحكومة.

المضحك المبكي أن الطرف الذي لم يسمِّ الرئيس المكلَّف وهو هنا “الثنائي الشيعي” وحاول في المرحلة الأولى تأجيل موعده مع رئيس الجمهورية في الاستشارات الملزمة وفشل، يبدو اليوم الأقل “تحاملاً” – إذا صح التعبير – على الرئيس المكلَّف ويتعامل معه ببراغماتية سياسية مسؤولة ومطلوبة – بغض النظر عن موقفنا من سياسات الثنائي – وهي ممارسة تُحسب له، على الرغم من بعض الرسائل التي يوجهها إليه عبر بعض التسريبات في وسائل إعلام تابعة له، وهي التسريبات التي يتلقفها للأسف الفريق الآخر – بكل تلاوينه وكل لأسبابه الخاصة – بطريقة تنم عن “صبيانية” في التعاطي السياسي، فيبدأ بإطلاق المواقف على الرئيس المكلَّف حد محاسبته ومحاكمته على النوايا أو “معارضة” حكومة لم تتشكل بعد، وذلك من باب قبوله إعطاء حقيبة المال للطائفة الشيعية وتسمية الوزير والنائب السابق ياسين جابر لها، مقابل تسمية الرئيسين للشيعي الخامس في الحكومة – ودائماً بحسب التسريبات – ما أثار شهية البعض وتحت شعار “وحدة المعايير” للمطالبة بما يسمّيه “حقيبة سيادية”، هذه البدعة التي لا نجد لها مثيلاً في بلاد العالم الأخرى، والتي بالمناسبة إخترعها محور الممانعة في لبنان منذ تسلطه على الدولة في لبنان ما بعد “إتفاق الدوحة” كما غيرها من البدع التي كان المعارضون يطالبون بتغييرها فإذا بهم اليوم يتبنونها بإسم “وحدة المعايير”، وما هي في الحقيقة سوى محاصصة بين الفرقاء السياسيين الرئيسيين في البلد من دون أدنى إعتبار لمصلحة الدولة والبلد والناس.

بعدها وبدلاً من التواصل البنّاء مع الرئيس المكلَّف ومناقشة الأمور بكل مسؤولية لتكون المعارضة بذلك سنداً له في مواجهة الضغوط، كان الإيعاز لبعض وسائل الاعلام والشخصيات تارة بالهجوم عليه ووصفه بأوصاف لا تليق كـ”الخوف” مثلاً، وتارة بالتنمُّر عليه ومعايرته بتاريخه العروبي والنضالي وكأن العروبة والعلمانية واليسارية هي سُبَّة بحد ذاتها، وذلك على طريقة “ما لقوش في الورد عيب قالولو يا أحمر الخدين”، كما يقول المثل الشعبي المصري، في حين أن المشكلة التي لا يريد أحد مقاربتها اليوم خصوصاً في الجانب المسيحي، تكمن في الحقيقة في حصة رئيس الجمهورية من الوزارات في الحكومة، وهو أمر لطالما رفضه وعن حق الكثيرون من قبل، لأن النظام القائم منذ الطائف يقوم على النظام البرلماني الذي يضع السلطة كلها في مجلس الوزراء، ومن هنا كان ولا يزال المطلوب أن تكون الحكومة إئتلافية من القوى التي تتفق على برنامج حكم وتسعى الى تطبيقه في حين تذهب القوى الأخرى للمعارضة، وليس كما حصل ولا يزال وهو ما اصطلح على تسميته زوراً بحكومات الوحدة الوطنية التي تتمثل فيها كل الأطراف بما فيها رئيس الجمهورية، وهو ما أثار دائماً مشكلة على صعيد التمثيل المسيحي لتصبح عبارة عن برلمان مصغر، ما جعلها حكومات مشلولة وفاشلة ومتاريس منصوبة بين الفرقاء جميعاً.

لا نقول هذا دفاعاً عن أحد فكلنا بشر، ولكن دفاعاً عن ممارسة سياسية مسؤولة حان الوقت بعد كل ما مرّ به البلد من تجارب فاشلة أدت إلى إنهيارات أن نتبناها كما كل الدول والشعوب المتحضرة، وما دمت قد كلَّفت شخصاً ما لتشكيل حكومة فمن باب أولى وأضعف الايمان أن تمنحه الثقة لكي يعمل ويشكل فريقه بالطريقة التي يراها مناسبة، فإذا إتفقت معه تشارك وتعطي الثقة وإلا فالمعارضة، وهذا حق لا ينازعك فيه أحد وتكون بذلك أظهرت أنك رجل دولة وسياسة ومسؤولية عوضاً عن الصراخ والتهديد بالثبور وعظائم الأمور والحديث بسقف عالٍ عن المبادئ والمعايير، ومن ثم يتبين أن المطلوب هو رفع الحصة لا السقف، ولا نجادل هنا بأحقية حصة كل فريق كما يراها هو، بل بالممارسة التي هي إلى “التشبيح والبلطجة” أقرب، وهو ما كنا نأخذه ولا نزال على فريق الممانعة، فبات البعض اليوم كمن ينهى عن خلق ويأتي بمثله بل بأسوأ منه، وهو ما يجعل الرئيس المكلف في وضع من لسان حاله يقول “اللهم إحمني من أصدقائي أما خصومي فأنا كفيل بهم”.

تبقى كلمة أخيرة للذين يريدون ربما عزل “الثنائي الشيعي” أو تقليص حصته ويدَّعون وصلاً بالمعارضين الشيعة، بأنهم كانوا أول من أعطى هذا الحق للثنائي عندما طرحوا ومرروا قوانين إنتخابات غير عادلة خصوصاً القانون الأخير الذي أجّج الطائفية والمذهبية لغاية في نفوس “يعاقبة” هذه الطائفية والمذهبية، المتفقين سراً وعلانية على أنها بمثابة الدجاجة التي تبيض لهم مؤيدين وموالين وذهباً.

شارك المقال