“على مستوى الدعم الاقتصادي ودعم إعادة الإعمار، لا شك أن دولة قطر ستكون حاضرة مثلما كانت حاضرة في كل مناسبة وفي كل حدث”.. هذا ما أعلنه رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمّد بن عبد الرحمن آل ثاني من بيروت الثلاثاء، عقب لقائه رئيس الجمهورية جوزاف عون، رداً على سؤال عما إذا كانت بلاده ستساهم في إعادة الإعمار، في إشارة واضحة إلى أن قطر جاهزة للعب دورها في لبنان، كاشفاً أن بلاده تتطلع إلى عقد شراكة إستراتيجية تقوم على المنفعة المشتركة للبلدين وللشعبين. وتعهد بمواصلة تقديم الدعم الانساني ودعم الجيش اللبناني، (بحيث تقدم قطر إلى الجيش منحاً لتغطية معاليم شراء الوقود وصرف رواتب الموظفين). في المقابل، قال الرئيس عون لرئيس الوزراء القطري إنه يأمل أن تستأنف مجموعة “توتال إنيرجيز” قريباً التنقيب عن النفط والغاز.
يتضح من خلال نتائج المباحثات القطرية-اللبنانية، أن الجانب القطري تعهد بإعمار ما دمرته اسرائيل في الحرب الأخيرة بينها وبين “حزب الله”، كما حصل في حروب سابقة، من دون شروط مسبقة، وهو ما يخالف شروط دول غربية، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا، ودول عربية تربط دعمها للبنان بحياد مؤسساته الدستورية عن أي هيمنة، في مقدمها الحكومة العتيدة، التي تتطلع تلك الدول الى أن تشكل على أساس المعايير الاصلاحية، التي هي المدخل للمساعدات والاستثمارات الدولية والعربية للبنان، مع الاشارة في هذا المجال الى أن قطر شاركت في إعادة بناء 12 ألف وحدة سكنية في الجنوب اللبناني كانت إسرائيل قد دمرتها في تموز عام 2006 خلال الحرب مع “حزب الله”.
يقدر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار لبنان بنحو 8.5 مليارات دولار، ما يعني أنه سيحتاج الى دعم دولي وعربي، ولكن إذا كان الدعم عقب حرب تموز 2006 غير مشروط، فإن الأوضاع الراهنة مختلفة، لأن المجتمعين الدولي والعربي متمسكان بشرطين أساسيين هما: حصر السلاح بالدولة اللبنانية وقواها النظامية، وإطلاق ورشة إصلاحات شاملة، لذلك فإن الخارج يرفض بصورة قاطعة أن يكون الدعم لإعادة الإعمار فرصة بمثابة هدية مجانية لـ”حزب الله”، تساعده على امتصاص الغضب داخل البيئة الشيعية الموالية له، ما سيشجعه على العودة إلى أجنداته السابقة، طالما أن الدول الصديقة والشقيقة على استعداد دائم لإعادة الإعمار جراء الحروب التي يخوضها على وقع المصالح الايرانية، فيدفع لبنان ثمنها في البشر والحجر.
السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق: ما الذي يدفع دولة قطر الى هذه الاندفاعية في إعادة الاعمار من خارج سياق الاجماع الدولي والعربي؟ تؤكد مصادر ديبلوماسية مطلعة أن الدور القطري في لبنان يقوم على مبدأ “الاعمار مقابل النفط”، إذ إن قطر من خلال زيارة رئيس وزرائها الى لبنان تؤكد التزامها بدعم لبنان لإعادة الإعمار، فضلاً عن إمدادات الطاقة وتزويده بحاجته من الغاز لتوليد الكهرباء، مع الإبقاء على دعمها للمؤسسة العسكرية، مقابل حصولها على عقود لتنقيب النفط واستخراجه، تحت مسمى “شراكة إستراتيجية”!
يذكر أن شركة “قطر للطاقة” انضمت في العام 2023 إلى “توتال إنيرجيز” الفرنسية و”إيني” الايطالية، في اتحاد ثلاثي للتنقيب عن النفط والغاز في منطقتين بحريتين قبالة الساحل اللبناني. وفي 2017، وقعت “توتال إنيرجيز”، وهي من كبرى شركات النفط عالمياً، اتفاقيتي استكشاف وإنتاج ضمن منطقتين، إحداهما في الجزء الجنوبي من المياه اللبنانية وأخرى في الوسط. وتُدعى المنطقتان “بلوك 4″ و”بلوك 9”. وتم تكثيف خطوات تنقيب لبنان عن النفط والغاز بعد توقيعه في تشرين الأول 2022 على اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، ليقسم بعدها منطقته الاقتصادية الخالصة في البحر إلى 10 بلوكات. و”بلوك 9″ هو جزء من المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل لضمها حقل قانا الذي يتجاوز خط الترسيم الفاصل بين الطرفين، لكن اتفاق الترسيم أعطى لبنان هذا الحقل، على أن تحصل إسرائيل على تعويض من مشغّلي البلوك الذي ينتمي إليه.


