أبقت وكالة “فيتش سوليوشينز” على نظرتها المتفائلة تجاه المستهلك اللبناني لعام 2025، متوقعة أن يسهم اتفاق وقف إطلاق النار في تعزيز ثقة المستهلك وتحسين الأوضاع المالية للأسر مقارنة بعام 2024. وتشير هذه التوقعات إلى انحسار التضخم المرتفع وانتعاش القطاعات الاقتصادية الرئيسية، ما سيسهم بصورة كبيرة في دفع التعافي الاقتصادي وتعزيز استقرار الأوضاع المالية للأسر اللبنانية.
وتعزز هذه التوقعات ما أوردته الوكالة من أن الإنفاق الأسري في لبنان في العام 2025 سيشهد انتعاشاً حاداً، تزامناً مع إعادة بناء الاقتصاد بعد الحرب والصراع الاقليمي. وتُظهر التقديرات أن الإنفاق الأسري الفعلي في العام 2025، الذي يُقاس بأسعار عام 2010، سيصل إلى 41.4 تريليون ليرة لبنانية، مع تسجيل معدل نمو قدره 4.1 في المئة على مدار العام، وهو ما يُعزى في الغالب إلى تأثيرات القاعدة المنخفضة نتيجة للنمو الثابت الذي تم تسجيله في العام 2024. ومع ذلك، تشير هذه التوقعات إلى أن إجمالي الإنفاق الحقيقي في 2025 سيكون أقل بنسبة تقارب 30 في المئة مقارنةً بما كان عليه في 2019، قبل الأزمة الاقتصادية وتداعيات جائحة كوفيد-19.
سلة الغذاء: 36.3 مليون ليرة
يُذكر أن تقرير برنامج الغذاء العالمي كشف أن تكلفة سلة الغذاء الأساسية لعائلة مؤلفة من خمسة أفراد، والتي تضمن بقاءها على قيد الحياة، تصل إلى 36.3 مليون ليرة لبنانية شهرياً، أي نحو 402 دولار أميركي وفقاً لسعر السوق. وتبلغ التكلفة الشهرية لهذه السلة للفرد الواحد 3.1 ملايين ليرة لبنانية.
وأوضح التقرير أن 2.5 مليون شخص في لبنان بحاجة إلى مساعدات غذائية. ومع ذلك، ونظراً الى عدم كفاية التمويل، تم تخفيض المساعدات بنسبة 39 في المئة، بحيث استفاد 1.34 مليون شخص فقط من حصص غذائية، بما في ذلك لبنانيون ونازحون سوريون ولاجئون فلسطينيون. وبلغ إجمالي المساعدات النقدية المقدمة منذ بداية العام 2024 نحو 63 مليون دولار. وخلال شهر أيار، وزع البرنامج 10.5 ملايين دولار على 93.6 ألف عائلة، من دون تحديد قيمة المساعدة لكل عائلة أو جنسية، بينما تُشير الأرقام إلى أن متوسط المساعدة يبلغ 110 دولارات شهرياً لكل عائلة.
انتعاش الانفاق الاستهلاكي
وتتّسق توقعات “فيتش سوليوشينز” لنمو الإنفاق الاستهلاكي في العام 2025 مع التوقعات الصادرة عن فريق المخاطر السيادية لديها، الذي يتنبأ بنمو الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.0 في المئة على أساس سنوي في 2025، وذلك نتيجة لتأثير القاعدة بعد انكماش حاد بلغ 18 في المئة على أساس سنوي في 2024. ويُعتبر هذا التعديل تصاعدياً مقارنةً بالتقديرات السابقة التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 4 في المئة على أساس سنوي، مدعوماً بتأثير وقف إطلاق النار. وسيُسهم استئناف النشاط الاقتصادي، إلى جانب تراجع التضخم من 45.3 في المئة في 2024 إلى 25 في المئة في 2025، في تعزيز القدرة الشرائية للأسر، ما سيعطي دفعاً قوياً لنمو الإنفاق الاستهلاكي من جديد.
تحسن تدريجي في التوظيف
وفي ما يتعلق بسوق العمل، توقع التقرير أن يبلغ متوسط معدل البطالة 30 في المئة من قوة العمل في العام 2025، وهو تحسن طفيف مقارنة بـ 32 في المئة في العام 2024. وعلى الرغم من أن هذا المعدل لا يزال أعلى بكثير من المستويات التي كانت سائدة قبل جائحة كوفيد- 19، والتي بلغت 6.2 و9.3 في المئة في عامي 2018 و2019 على التوالي، إلا أنه يُعد أقل بكثير من المعدلات المرتفعة التي تم تسجيلها تباعاً في عامي 2021 و2022، حيث بلغت 45 و50 في المئة. وقد تسببت الاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن الحرب الأخيرة في العام 2024 في خسائر مباشرة في فرص العمل ومصادر الدخل لأكثر من 30 في المئة من القوة العاملة. ولا تشمل هذه الخسائر الأعداد الأكبر من العاملين في المناطق الأقل تأثراً أو في القطاعات التي تضررت بصورة غير مباشرة جراء الحرب. كما أنّ محدودية الفرص المتاحة في سوق العمل ستسهم في زيادة التوترات الاجتماعية، ما قد يدفع أيضاً إلى تفاقم معدلات الهجرة المرتفعة في البلاد. ومع ذلك، من المنتظر أن يشهد قطاع التوظيف انتعاشاً تدريجياً مع استئناف النشاط الاقتصادي وتوسّع الفرص المتاحة خلال العام 2025 وما يليه، ما سينعكس بصورة إيجابية على آفاق سوق العمل في المستقبل.
تحديات اقتصادية وجيوسياسية
وعلى الرغم من التحسن الطفيف المتوقع في بعض المؤشرات الاقتصادية، لا تزال التحديات الاقتصادية تلقي بثقلها على الأسر والمستهلكين بسبب استمرار ضعف القوة الشرائية. ومع أن ضغوط التضخم قد خفّت في العديد من الأسواق، فإن الأسعار لا تزال مرتفعة، ولم يشهد معظم العاملين زيادات كافية في الأجور الحقيقية لتعويض الخسائر التي تكبّدوها جراء موجة التضخم بين عامي 2022 و2024. وفي العام 2025، يواجه قطاع المستهلكين آفاقاً اقتصادية غامضة بسبب الضغوط التضخمية المستمرة، والتقلبات في أسعار الفائدة، والضعف المحتمل في أسواق العمل. وستؤثر هذه العوامل، إلى جانب المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية المرتفعة، بصورة كبيرة على قرارات الإنفاق الاستهلاكي، ولا سيما في ما يتعلق بالمشتريات غير الأساسية. ومن من بين أبرز القضايا المثيرة للقلق، تتصدر النزاعات المستمرة والتوترات السياسية القائمة، التي تؤثر بصورة مباشرة على القوة الشرائية للأسر وهوامش ربح الشركات، فضلاً عن التأثير غير المباشر على معنويات المستهلكين وسلوكيات الأعمال التجارية.
إصلاح وصمود
يواجه الإنفاق الأسري في لبنان تحديات معقدة ومتعددة الأبعاد في ظل أزمة اقتصادية خانقة وانقسامات سياسية مستمرة. وعلى الرغم من بعض التوقعات الإيجابية، لا يزال شبح التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة يخيّمان على الأسر اللبنانية، مما يضطرها إلى تقليص إنفاقها بصورة ملحوظة. تساهم الأزمات السياسية والاقتصادية المتراكمة، جنباً إلى جنب مع تداعيات الحرب الأخيرة، في تآكل القدرة الشرائية للأسر ووضعها في حالة مالية هشّة. كما أن تقلبات الأجور ونقص الدعم الحكومي يزيدان من صعوبة هذه التحديات، ما يجبر الأسر على وضع ميزانيات صارمة لتحقيق التوازن بين الضروريات والكماليات. ولن يتحقق الاستقرار المالي المنشود إلا من خلال تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة ومستدامة، وتعزيز الثقة بالنظامين السياسي والاقتصادي، وهو ما سيسهم في تعزيز قدرة الأسر على الصمود أمام التحديات وتأمين متطلباتها اليومية.


