عمّد القديس مارون (شفيع لبنان) “ببركاته” المشهد الجامع لأركان الدولة اللبنانية في كاتدرائية القديس جرجس للموارنة بوسط بيروت، في الاحتفال السنوي بعيده، بعد اكتمال عقد المؤسسات الحكومية الكبرى، من انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة، وصولاً إلى ما يعوّل عليه من انطلاق العمل بزخم في المؤسسات والقطاعات في البلاد، بعد نيل حكومة “الإنقاذ والإصلاح” ثقة مجلس النواب، وفقاً لبيانها الوزاري، بحيث أنه إعتباراً من اليوم سيكون إنطلاق عمل الحكومة في أولى جلساتها، لتشكيل اللجنة الوزاريّة لصياغة البيان الوزاري.
ينطوي البيان الوزاري على أهمية كبرى، باعتباره خطة طريق عمل الحكومة، ويعوّل على أن يكون مضونه مبنياً على التوجهات والمنطلقات التي وردت في خطاب القسم والبيان الذي أذاعه الرئيس نواف سلام من القصر الجمهوري بعد صدور مرسوم تكليفه، والتي ركزت على الالتزامات الاصلاحية، كما السياديّة، إذ إن الحكومة مدعوة للتصدي لاستحقاقات سياسية وسيادية بارزة، في طليعتها إنجاز الانسحاب الاسرائيلي من بلدات وقرى جنوبية في 18 الجاري، ثم إنجاز الانتخابات البلدية والاختيارية بعد أشهر قليلة، والتحضير للانتخابات النيابية في 2026، فضلاً عن إعادة الإعمار جراء الدمار الذي خلفته الحرب الاسرائيلية الموسعة على البلاد، مع بروز مشكلة جديدة بعد الأحداث على الحدود السورية – اللبنانية (بقاعاً) في ضوء المعارك العنيفة بين “هيئة تحرير الشام” ومسلّحي عشائر لبنانيين (محسوبين على “حزب الله”) يقيمون في بلدات سورية متاخمة ومتداخلة، ما أدى إلى سقوط العديد من القتلى والجرحى من الطرفين.
النقطة المثيرة الجديدة التي ستتركّز عليها الأنظار في البيان الوزاري تتمثل في معادلة “جيش، شعب، مقاومة”،خصوصاً وأن ثمة من يصر داخلياً وخارجياً على عدم ذكر مسألة المقاومة، وعلى اعتماد ما ورد في خطاب القسم وفي الدستور، لجهة الدفاع عن لبنان وحصره بالدولة اللبنانية، (ما يعني حشر “حزب الله” سياسياً ومعنوياً)، بعدما أسقط “الثلث المعطّل”، مع ما يعنيه الأمر من عدم وجود خشية من أن يقدم “الثنائي الشيعي” على تعطيل مسار العمل الحكومي، بحيث أنها المرة الأولى التي ينال “الثنائي” 4 حقائب من الحصة الشيعية (المال، الصحة، البيئة والعمل) من أصل خمسة مخصصة للمكوّن الشيعي، ما أدى الى تعطيل “التعطيل الميثاقي” من يد هذا المكوّن من خلال تسمية الرئيس سلام الوزير الشيعي الخامس (الدكتور فادي مكي وإن بموافقة بري).
وهذا ما يطرح السؤال هل سيقبل “حزب الله” بالتخلي عنها، بعدما بات محشوراً سياسياً؟ تتوقع مصادر سياسية مطلعة أن تلجأ لجنة صياغة البيان الوزاري إلى إستبعاد ذكر تلك المعادلة، على اعتبار أن الجيش وأجهزة الدولة الأمنية والعسكرية ستتولى أمن الحدود، ومواجهة أي عدوان بالتعاون مع لجنة الإشراف على وقف إطلاق النار وفقاً للمعايير التي تم الاتفاق عليها في القرار 1701، وعليه، فإن أي نصوص تتعلق بوضع الحدود ستندرج في إطار هذا الواقع المستجد، بعد الاتفاق الذي تم التوصل اليه في 27 تشرين الثاني الماضي الذي أوقف الحرب.
هذا النص سيشكل مخرجاً مقبولاً من “حزب الله”، الذي يهمه إلتزامين أساسيين، الأول بإنسحاب إسرائيل من كامل الأراضي التي تحتلها، والثاني بأن يأخذ الجيش اللبناني دوره كاملاً في الدفاع عن حدود لبنان وسيادة أراضيه، الأمر الذي من شأنه أن يسرّع صياغة البيان الوزاري، تمهيداً للتقدم إلى المجلس النيابي لطلب الثقة المضمونة للحكومة وبنسبة كبيرة من أصوات النواب، لتنطلق بعدها ورشة الإصلاح ومكافحة الفساد، كخطوة إلزامية وممر إجباري للحصول على دعم الدول المانحة، وفقاً لصيغة جديدة تقوم على الشراكة “الاستراتيجية” في تمويل المشاريع بينها وبين لبنان.


