لبنان أولاً… مسار الطائفة السنية

د. نسب مرعب

يتبلور القدر المُشرق للطائفة السنّية في لبنان عبر تجسيدها لمنطق الدولة وتبنّيها لنهج المؤسسات. إنّها لون بنيوي في راية لبنان السيادة والحرية والاستقلال. لكن، تضعف الطائفة السنية حين تتّجه إلى خيار الميليشيات الفئوية، وتتقهقر إن هي إتّبعت الفكر المتطرّف المنغلق.

كما أدركت الطائفة أنّ وجودها يعتمد على مشاركة الآخر في تدعيم الهوية الوطنية، وإستنهاض الروح القومية اللبنانية الصافية التي لا تخالطها إنتماءات ولا تمازجها ولاءات تتخطّى الحدود، أو تنخرط في مشاريع الاقليم ورهاناته. وتمكّن معظم المسلمين السنّة من التخلّي عن الارتباطات المصيرية بالخارج مقابل التمسّك بالصيغة اللبنانية والميثاق والعيش المشترك.

قد يشتكي كُثر من وهن الأمّة اللبنانية، ولكن من الإنصاف بمكان الاعتراف بأنها لا زالت صامدة على الرغم من كل الرياح العاتية التي عصفت بها، ولا زال عطر الحياة يفوح من ثناياها في حين تنتشر رائحة الموت في الأرجاء.

أثبتت الحرب الأهلية أنّ سلامة الوطن اللبناني تتوقّف على نبذ المؤثّرات الخارجية، وأكدّت التجارب المتعاقبة في السياسة والميدان أنّ إعتماد الطائفة السنّية على الخارج يضعف مكانتها وينال من دورها. بينما تنعم الطائفة بالإستقرار عندما تتوطّد علاقتها بالشريك الآخر في البلد، وتحفظ أمنها عبر التفاهم معه وليس من خلال الانتقاص من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور والأعراف.

لقد تدهورت الأوضاع في لبنان إبّان الحرب الأهلية لأنّ الطائفة بالغت في دعم اللجوء الفلسطيني المسلّح على حساب تفهّمها لهواجس الشريك الآخر في الوطن وقراره الحاسم في تحييد لبنان عن الصراعات في الشرق الأوسط.

وعند إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005، إنتفض اللبنانيون من كل الطوائف لتضميد جرح الطائفة السنّية النازف، وعندئذٍ وُلدت قضية “لبنان أولاً” التي لم ولن تكون مجرّد عنوان للمرحلة أو شعار للتداول، بل هي كانت وستبقى عقيدة وطنية راسخة في تصدّر أي مشهد سياسي تزخر به الأرض اللبنانية. صحيح أنّ ثورة الأرز لم تتمكن من الاستمرار كقوّة سياسية موحّدة، ولكن “الإيديولوجية اللبنانية” لا زالت تنبض في عروق الشباب الطامح نحو الغد والمؤمن بالهوية اللبنانية مساراً فريداً.

عندما يتماهى الشاب السنّي في لبنان مع خطاب غبطة البطريرك الذي إستشرف الأحداث عبر الدعوة إلى حياد لبنان عن أتون الصراعات في المنطقة، نتأكّد من نجاعة خيار “لبنان أولاً” الذي ينبغي أن يتوسّع ليشمل المكوّن الشيعي ولجعله يفضّل مناعة لبنان وحصانته على أي محور ممانع لا يتوانى عن إستخدامنا كصندوق بريد لرسائله الملتهبة.

قطعت الطائفة السنية أشواطاً كبيرة على درب جلجلة الوطن، وقدّمت الشهيد تلو الآخر، كما لم تتأخر الطوائف الأخرى في نذر نفسها في سبيل لبنان. لكن كل هذه العذابات والتضحيات لا تشككّ في جدوى الهوية الوطنية، بل تسهم في تكريسها وتقديسها.

الموت في تاريخ الأوطان ليس سوى محطة إلزامية على طريق الحياة، بشرط ألّا يكون الاستشهاد أداةً لمشروع إقليميّ، بل دفاع عن لبنان الوطن والدولة والرسالة، وهذه رمزية إستشهاد الرئيس رفيق الحريري.

شارك المقال