إذا أردنا تحليل الذكرى العشرين لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري بأسلوب منهجي علمي، نجد في الشكل تجمّعاً واسعاً لجماهير غفيرة ومتنوعة، مقتنعة بقائدها، فاهمة لمرحلة غيابه، ولكنها متعطشة للعودة، من أجل المساهمة الملموسة في المشهد الوطني، والانطلاقة الحثيثة لتفعيل المؤسسات الدستورية.
أكثر من سبعين ألفاً إحتشدوا في الساحة، ويجدر التوقف عند الأعداد وكثافة المشاركة، مع أنّ المعيار الكمي لم يكن يوماً حاسماً في بناء مصائر الدول، إذ إن حجم الحشود الشعبية لا يفرض بوصلة الاتجاه السياسي، بل تُبنى المسارات وتُصاغ القرارات بهدوء بعيداً عن صخب الفعاليات الحزبية. كما أنّ العوامل الديموغرافية ولو إعترفنا بوجودها وتأثيرها، تبقى قاصرة عن ترجمة الأرقام إلى مشاعر، والنِسب إلى إنتماء.
لذا أضحى الرئيس سعد الحريري ظاهرة بكل ما للكلمة من معنى، تفوق الوصف الاحصائي والتقدير العددي، فعلى الرغم من تعليقه العمل السياسي طيلة ثلاث سنوات ونيّف، ومغادرته البلاد، تتضاعف الوفود ولا تتقلّص، وتشتد الأواصر مع المناصرين ولا تخفت.
ولعلّ العلم اللبناني الذي هيمن على الذكرى، أبرز دليل على وطنية الذكرى والشهيد والوريث. بينما كانت شوارع أخرى بل زواريب، تكتظ بالشعارات الفئوية والمذهبية في الوقت عينه دفاعاً عن محور إقليمي يلفظ أنفاسه.
ومن حيث لغة الجسد، بدا الرئيس سعد الحريري قريباً من جمهوره، متواضعاً كعادته المعهودة، متفاعلاً مع الصغير والكبير، مهتماً بكل تحية ووردة وصرخة. وخطواته تعكس الثقة والارتياح الممزوج بالاهتمام والتأثر. وكأنّما تجسّدت الساحة كلها في فؤاده، واحتواها بصدقه وعفويته ونبل أخلاقه.
لكن هذا العام إختلف من حيث الفرحة، فقد أضاء وجه الرئيس سعادةً بعدالة رب العالمين التي تحققت، وبملاقاة الجمهور المحب الداعم والمخلص، والأهم أنه خاطبه وحاوره وتفاعل معه، فكانت المنصّة جسر عبور إلى لبنان المستقبل، كما كان الضريح تثبيتاً لمتانة الجذور والقضية والمشروع.
ومن ناحية مضمون الخطاب، فقد تمّ التأكيد أن كل أعداء الرئيس الشهيد وأحلامه المبهرة، أصبحوا اليوم في عداد الآفلين، أمّا ذكراه فلا زالت تتوهّج حباً ووفاءً. ولم تغب عن الخطاب دعوة البيئة الحاضنة لـ “حزب الله” الى الإنخراط في بنية الدولة ومفاصلها.
وكلمة في الذكرى وجهها الرئيس العائد ظافراً لتياره، غازلت الوجدان وأسست للواقع، إنها الرجوع المنتظر الذي لم يشك فيها المؤيدون على الرغم من مرور السنوات العجاف، ولكنهم ضاقوا فيها ذرعاً من شخصيات لا تليق بتحدّي تمثيل الطائفة والوطن. وإن ضعف أداء مستغلّي الغياب عمّق الحاجة إلى التيار الأزرق -الذي قد يرتكب هفوات وهو بطبيعة الحال ليس معصوماً عن الزلل في الممارسة-، ولكنه الوحيد الذي يعبّر عنهم ويعرفهم ويكرّس لهم كل مجهود وطاقة وفكرة.
وتجلّى في الخطاب تأكيد استعادة المشاركة في الإستحقاقات الوطنية، وهذا ما افتقده المناصرون بشدّة، لأن الفراغ الذي خلّفه إنكفاء المستقبل لا يملؤه سوى التيار نفسه، تماماً كما لا يروي الظمأ إلا الماء العذب النقي فقط.
ولقد كانت الذكرى علامة فارقة على عدّة صعد، إذ أصبح القائد واثقاً للمرة العشرين بعد المئة أن جمهوره لن يخذله، بل وحتى الأجيال اليافعة تبصر نور المستقبل وتتمسك بالحلم الحريريّ كأنها عايشت الرفيق بكل تفاصيله. وكانت مناسبة للتركيز على حتمية العودة كإيمان روحي، وحاجة محسوسة.
وأخيراً، كم تشبه الأغنية الجديدة نبض قلوب المناصرين، وهي أبكتهم فرحاً، وربما إستطاعت بكلماتها الصادقة أن تنقل روعة الإحساس، وفرادة اللحظة، وعمق التعلّق. الحريرية السياسية في الأمس واليوم والمستقبل، تتطلب إجراء العديد من الأبحاث والدراسات في علوم النفس والاجتماع والسياسة والاعلام.. وتحرير سيلٍ من المقالات والطروح الفكرية، لأن التجربة الحريرية أصبحت مرجعاً ومصدراً في الأخلاق الانسانية والوطنية والحضارية.


