شباط 2005، يوم اهتز لبنان، لا بل الشرق الأوسط برمته، باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ذاك اليوم كان يوماً أسود ظلامياً، امتدت أيادي الشر لتنال من الرجل الذي عمر لبنان وعمل على إدخاله مصاف الدول المتقدمة، اغتالت قوى الشر الرجل الذي بذل حياته من أجل انهاء الحرب في بلده واعادته الى خريطة العالم بعد حرب أهلية وحروب الآخرين عليه، كاد رفيق الحريري ينجح في مهمته النهائية بتحرير لبنان من العدو والشقيق لكن الظلام كان أقوى من النور، فمات رفيق الحريري لكنه لم يمت فينا، والحقيقة أن من ولد يوم استشهاده عاش عشرين سنة يتمنى لقاءه.
ومن جايل رفيق الحريري وعاصره وعايشه توقف حينذاك الزمن عنده، بعد أن رأى وطناً يحيا برجل، ويموت فيه للأسف، مع أن رفيق الحريري لم يسعَ يوماً ليكون أكبر من بلده، لكن الواقع فرض هذه المعادلة القاسية وهو ما أراده القتلة، نعم أرادوا قتل لبنان وعاصمته بقتل ذاك الرجل الواحد وبعدها كرت السبحة وسقط الشهيد تلو الشهيد، فمنهم من قتل، ومنهم شهداء أحياء، وما بدلوا بعهدهم لوطنهم السيد الحر المستقل تبديلاً .
الكثير رفض تصديق الكارثة وقد اعتزل وكفر بدولة الاجرام آنذاك، رافضاً أن يكون جزءاً منها أو تحت مظلتها المشؤومة المثقوبة فقط بحق رجالات رجال تمردوا على حكم الطاغية القائم على الاقصاء والمحاصرة والتهديد بفتنة المناطق والطوائف والتمديد أو بكسر الأيادي، رجالات رفضوا سياسة الذل والتبصيم على طريقة وطاويط البوريفاج .
نعم، رفيق الحريري ما قبل العشرين وما بعده! انتصار الدم على الظالم، وسقوط الطاغية القاتل وأعوانه الى مزبلة التاريخ، وفي المقابل يبقى رفيق الحريري في وجدان العرب وكل العالم… انها المعادلة الالهية أو هو القدر يرسم حدوده بالدم أحياناً وبالعبر أحياناً أخرى، فشهيد يدخل التاريخ وقاتل يخرج منه الى غير رجعة.
عشرون عاماً ولم يستطيعوا بناء الدولة التي بناها رفيق الحريري.
ولم يرفعوا جسراً كما رفعه رفيق الحريري.
لم يرمموا مدرسة أو جامعة أو مسجداً أو كنيسة كما آمن رفيق الحريري.
لم يزفتوا شارعاً، أو يعبدوا طريقاً نحو العالم كما فعل رفيق الحريري، بل اكتفوا فقط بتزفيت ملفاتهم السود، فلعنتهم الأرض التي فجروها ولعنهم البحر الذي بلطه رفيق الحريري على حد قولهم.
أما عن بيروت معشوقة الرئيس الشهيد ومحبة أهلها بكل أطيافهم وطوائفهم له، فلا يستوقفني في هذه اللحظة الوطنية سوى عبارته الشهيرة “أوقفنا العد”، نعم هي عبارة أطلقها الرئيس الشهيد رفيق الحريري وعمل على تطبيقها بكامل بنودها، فقد أدرك مبكراً أن العاصمة ستبقى رمزاً للبنان الواحد وهي لجميع أبنائها. نجح الحريري الأب في إرساء هذا التعايش على الرغم من الفروق العددية بين الطوائف والمذاهب، وكان باستطاعة الشهيد الإتيان بمجلس بلدي مؤلف من أربعة وعشرين عضواً من لون واحد بسهولة، وكانت بلدية بيروت أصدق أنباء من الشعارات الرنّانة الجوفاء لبعض القوى التي كانت تحتمي بالسوري، وكان البوريفاج وتاريخه السيئ الصيت ملجأ لأصحاب النفوس الضعيفة والمريضة، لكن الرئيس الحريري قرّر الانقلاب على هذه العقلية الميليشيوية الطائفية، فعمّر وعلّم ونجح في بناء وسط العاصمة المتماسك الذي بقي لؤلؤة هذا الشرق إلى أن حلّ الظلام بعد أن عاد عسس البوريفاج إلى سابق نشاطه التخريبي.
نعم، الرئيس الشهيد رعى زيارة الحبر الأعظم وتابعها في أثناء زيارته الشهيرة الى بيروت، احتفل بالقداس الأكبر في وسط العاصمة الذي حشد له البيارتة بمختلف أطيافهم وعلى رأسهم بلدية واحدة متماسكة، كانت بصمات الشهيد واضحة لهذا الحشد الضخم الذي شارك فيه أكثر من ثلاثمائة ألف مصلٍّ.
حضر بافاروتي ينشد بصوته الأوبرالي وسط الحضور العالمي الكثيف لهذا الحدث الثقافي، غنّت فيه فيروز معلنة انتهاء الحرب الى غير رجعة، وإنطلاق عملية إعمار غير مشهودة ونهضة تطال البشر والحجر على حد سواء من دون تمييز بين قسم شرقي أو غربي من المدينة المدمرة.
في ٢٤-١-٢.٢٢ استعاد الرئيس سعد الحريري من ذاكرته عبارة والده الشهيد رفيق الحريري، عندما ودّع لبنان منذ سبعة عشر عاماً بقوله “أستودع الله سبحانه وتعالى هذا البلد الحبيب لبنان وشعبه الطيب” ليعلق نشاطه في “الحياة السياسية”.
لم يكن وداع سعد الحريري لبيروت تخلياً عن وديعة الشهيد وأحلامه، انما هي مجرد استراحة محارب أنهكته المعارك السياسية الطاحنة بين السيادة واللاسيادة.
ولم يكن إرث الشهيد رفيق الحريري فقط الحفاظ على المنصب وبيت المال، انما إرث عازم على استكمال مسيرة اعادة لبنان وطناً حراً سيداً مستقلاً واعادته منارة للشرق.
اعتقدوا أنهم “هجروا” الرئيس سعد الحريري مع بطاقة السفر، لكن ظنونهم خابت، وها هو بين أهله وأحبابه، اليوم تدافع اليه الجميع من كل حدب وصوب، الخصوم منهم قبل الحلفاء، ولسان حالهم اعترف بأن الفراغ في موقعه الشعبي لم يملأه أحد، وأن الزعامة لا تصنعها تحالفات من هنا أو قوانين انتخابية على شاكلتهم من هناك، فالجميع الآن في مأزق حقيقي، والجميع الآن يطالب ببقاء الرئيس الحريري في لبنان والمشاركة في الحياة السياسية كي تستقيم “الميثاقية” التي فضوا بكارتها عند كل استحقاق.
اليوم انكسر هذا الصمت، الذي عاد للصلاة أمام ضريح والده الشهيد وأعاد الحسابات لدى الداخل والخارج ثم لدى قوى الرابع عشر من آذار التي اجتمعت ذات يوم في المهرجان المليوني وفاء للبنان العظيم.
نعم الكلام كل الكلام قالته الحشود وقالته الناس في الشارع، في بيروت، في طرابلس وصيدا، في البقاع وعكار، رد الرئيس البارحة واليوم وغداً سيرد أيضاً، انتصر بصمته مع الجماهير التي لم تخذله يوماً، وهي دائماً على الوعد، سواء بقي أم رجع أم عاد، هتفت بصوت هادر وبـ “لا” عريضة و”لا” كبيرة: نم قرير العين يا شهيد ثورة الاستقلال، إن لم تنصفك عدالة الأرض فعدالة الله كفيلة بالقاتل.


