“الحزب” المربك يصطدم بالدولة ولا يستعيد السطوة!

جورج حايك

من الواضح أن تحركات أنصار “حزب الله” في الآونة الأخيرة ليست عفوية، بل مبرمجة، وتبدو كأمر عمليات هدفه استعادة مجد “باطل” اعتاد فيه “الحزب” تنفيذ ما يريد خاطفاً الدولة ومصادراً قراراتها، إلا أن ما حصل على طريق المطار في الأيام الفائتة، صدم “الحزب” بعد اصطدامه بدولة تتصرّف بمسؤولية وتتخذ القرارات وتلاحق المخرّبين، وتحيلهم على القضاء.

طبعاً تعكس تصرفات “الحزب” رفضاً لهذه الدولة المسؤولة والمتماسكة التي يقودها رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ووزراء برهنوا أنهم رجال دولة، لا يخافون من “الحزب” وعراضاته. ولا يحتاج أي متابع الى جهد كبير كي يُدرك أن “الحزب” أراد ايصال رسائل بواسطة الشغب على طريق المطار: الرسالة الأولى للأميركيين والمجتمع الدولي من خلال الاعتداء على “اليونيفيل” بأنه لا يزال يمتلك الميدان في لبنان ولم يضعف نفوذه، والرسالة الثانية لرموز الدولة الجديدة أي عون وسلام والحكومة مجتمعة بأن طريق المطار لا تزال تحت سيطرته ويستطيع أن يعطّل الدولة، والرسالة الثالثة أرادها أن تكون لكل الجهات بأنه سيدافع عن الخيار الايراني في لبنان حتى الرمق الأخير، عبر الضغط على الحكومة كي تسهّل هبوط الطائرات الايرانية في مطار رفيق الحريري الدولي.

أما ما فعله الجيش اللبناني فكان صائباً، واجه المخرّبين والمعتدين على “اليونيفيل” والمارة، وضرب بيد من حديد، مبعداً قطّاع الطرق، وبذلك برهنت السلطات الجديدة أن الزمن الأول تحوّل، ولا مجال لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

وبالفعل ترجمت القوى الأمنية عموماً والجيش خصوصاً مواقف الرئيس عون الذي قال: “إن المهاجمين سينالون عقابهم”، مضيفاً: “إن قوات الأمن لن تتهاون مع أي طرف يحاول زعزعة الاستقرار والسلم الأهلي”.

والمفارقة الجديدة أن “الحزب” بات يتنصّل من كل حادثة تحمل إدانة له، معتبراً أنها تصرفات غير مسؤولة لمشاغبين غير تابعين له، فيما يعلم القاصي والداني أن هؤلاء لا يتحرّكون إلا بغطاء من “الحزب”، وهو دعا إلى اعتصام على طريق المطار احتجاجاً على تواطؤ الدولة مع الأميركيين والاسرائيليين، على حد تعبير مسؤوليه.

في الواقع، يحاول “الحزب” تكرار ما فعله بعد انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، وكرّر ذلك عام 2006، لكن للحق إنها المرة الأولى التي يجد فيها دولة تواجه محاولاته للسيطرة مجدداً على القرار اللبناني، وبالتالي تمسّكت الحكومة بقرارها الرافض لهبوط الطائرات الايرانية في المطار، ولم يُحقّق “الحزب” هدفه.

واللافت أن “الحزب” لا يزال يُمارس ألاعيبه القديمة، ويرفض الانضواء بسلاسة تحت مشروع الدولة، وسيحاول البحث مجدداً عن طرق إمداد بالمال والسلاح ولو أدى ذلك إلى ممارسة العنف.

في المقابل، لا يُمكن للدولة اللبنانية بمؤسساتها الدستورية والأمنية أن تتهاون بعد اليوم، بدليل أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوقفت المساعدات ربطاً بالإنجازات التي ستحققها الحكومة على أرض الواقع، وهذا الموقف تبلور أكثر في ساعات متأخرة أمس، عندما أعلنت إدارة ترامب أنها تمهل الحكومة اللبنانية شهراً واحداً لإنتشار الجيش ونزع سلام الميليشيات وعلى رأسها “الحزب” والسلاح الفلسطيني المتفلت في المخيمات، وإلا ستضطر الى إدراج لبنان ليكون تحت الفصل السابع وإرسال قوات دولية لتنفيذ القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة في حال امتنعت الحكومة اللبنانية عن تطبيق القوانين الدولية كاملة متمثلة بالقرارات 1701 و1559 و1680.

أمام هذا الواقع قامت شخصية بارزة في الفريق السيادي بقراءة لتحرّك “الحزب” الأخير على طريق المطار، فأشارت إلى أن هذا التحرّك كان الجولة الأولى لـ”الحزب” والنتيجة جاءت فاشلة، ولم يصل إلى أهدافه، بل خرجت الدولة فائزة، وربما يعتبرها “الحزب” نوعاً من جسّ النبض.

ولا يختلف اثنان على أن أداء الدولة، وفق الشخصية البارزة، كان حاسماً وصارماً على كل المستويات السياسية والأمنية، ففتحت كل الطرق ولم يرضخ الرؤساء لضغوط “الحزب” في ما يخص الطائرات الايرانية.

ورأت الشخصية السيادية أن “الحزب” قد يقوم بجولات جديدة من الشغب والعنف في محاولة لإخضاع الرئيسين عون وسلام، لكن لا بد من لفت النظر إلى أن “الحزب” لم يجد أي تضامن من خارج بيئته، وحتى بيئته لم تبدُ متحمّسة، وبالتالي فشل في ليّ ذراع الدولة ولم يعد قادراً على ذلك، وكل يوم ستقوى فيه الدولة سنرى أن “الحزب” يضعف.

وما يُلاحظ أن كل القوى السياسية دانت الاعتداء على “اليونيفيل” والجيش والمواطنين، ولم يصدر أي بيان يتضامن مع “الحزب”، وتؤكّد الشخضية البارزة أن هذا يعني أن “الحزب” يعيش عزلة سياسية، هو عزل نفسه لأنه لا يريد الانخراط في مشروع الدولة وتحت سقف الدستور، وسيحاول التخريب وضرب الأمن والاستقرار في لبنان، وهذا ما أصبح خطاً أحمر محلياً ودولياً.

وأخيراً، تتجه الأنظار نحو الأحد 23 شباط، وهو اليوم الذي سيشهد تشييع الأمين العام السابق حسن نصر الله، وبالتالي يتوجّس الكثير من اللبنانيين أن يُستغل لزعزعة الأمن والتخريب وعرض العضلات على نحو عنفي.

وآخر المسامير التي دقّت في نعش دويلة “الحزب” كان إقرار البيان الوزاري من دون معادلة “جيش وشعب ومقاومة”، بل الدولة وحدها تحتكر السلاح، وهذا ما يؤكّد أن ثمة أمور تغيّرت جذرياً وبدأ لبنان في عهد جديد يسعى إلى النهوض بالجمهورية اللبنانية على أسس دستورية وشرعية، لا مكان فيها لسلاح غير شرعي.

شارك المقال