“الحزب” يستعيض عن مواجهة إسرائيل بإستهداف الجيش والعهد

زياد سامي عيتاني

بين تنصل “حزب الله” من الحركة الاعتراضية على منع الطائرة الايرانية من الهبوط في بيروت وما أحدثته من تداعيات متدحرجة، مساء الجمعة بوصفها من قريبين منه، أنها “عمل مشبوه من فعل ملثمين”، أو تلك التي رعاها رسمياً السبت الماضي، إعتبرت الأوساط السياسية أن الحزب يعيش حالة من “التخبط” و”الارباك”، فضلاً عن “صراع خفي” بين جناحين داخله، ما يجعله مأزوماً، ومضيّعاً بوصلة أولوياته الملحة والحساسة، في ظل إستمرار العدو الاسرائيلي في تفجير مواقع ومخازن له، (بحسب ما يعلنه الاعلام العبري)، وعشية موعد انتهاء الهدنة الممدَّدة بين لبنان وإسرائيل، وهو الاستحقاق الذي سيفرز أمراً واقعاً جديداً عنوانه انسحاب تل أبيب من القرى التي ما زالت تحتلّها، وإصرارها على الاحتفاظ بخمسة مواقع إستراتيجية داخل الأراضي اللبنانية لضمان تنفيذ مندرجات اتفاق 27 تشرين الثاني (وفق تفسيرها الذي تَعتبر أن جوهره نزع سلاح الحزب بالكامل وليس فقط تفكيك بنيته في جنوب الليطاني).

وبدلاً من أن يرد الحزب على الاعتداءات الاسرائيلية اليومية، متذرعاً بإلتزامه بالإتفاق، فيما اسرائيل تهدّد مطار رفيق الحريري الدولي وتنفذ اتفاق وقف النار بالنسخة التي تراها (بما في ذلك تنفيذ غارات شمال الليطاني تصدياً لما تعتبره خطراً وشيكاً أو في طور التشكل)، إذا به يندفع نحو الداخل، على غرار “غزوة 7 أيار”، لكن هذه المرة، في وجه الدولة والجيش والعهد، في محاولة لاستعادة بعض من حجمه الذي تراجع تحت وطأة نتائج حرب “الإسناد” التي زجّ لبنان فيها، والمتغيرات الاقليمية، على بعد أيام من تشييع أمينه العام السابق السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين، في محاولة لشدّ عصب الشارع الشيعي، لتحشيد أكبر عدد ممكن من المشيعين ليؤكد أنه “ما زال هنا”، إضافة إلى توجيه رسالة، مفادها أن محاصرة الوجود الايراني في لبنان تعني محاصرة الحزب ومنعه من الحصول على الدعم وتبادل الزيارات واستقبال قادة الحرس الثوري والتنسيق معه، كما كان يحصل في السابق تحت أنظار المؤسسات الرسمية، السياسية والأمنية والعسكرية.

يحاول الحزب من خلال هذه الممارسات عدم التسليم بنتائج المتغيرات والتحولات وتداعياتها على مكانته، سعياً للعودة الى الوراء، لذلك عمد إلى إجراء “إختبار” (من دون إستخدام النيران) لرد فعل الجيش من خلال الاحتجاجات وعمليات الحرق واستهداف قائد في “اليونيفيل”، فإذا تغاضى الجيش عن التعامل مع تلك الاحتجاجات تكون خطة الحزب قد نجحت في إرباك الجيش ومنعه من السيطرة على الوضع الأمني والإمساك بملف السلاح لاحقاً، وذلك بهدف فصل نتيجة مواجهته في الحرب الأخيرة مع إسرائيل، عن وضعه في الداخل، لجهة إمساكه بالأرض وباللعبة السياسية، وتفوقه على بقية الفرقاء السياسيين والأحزاب.

لكن الأمر لم يسِر كما يريد الحزب، إذ تحرك الجيش ورد على الاستفزاز، في مؤشر على أن المرحلة القادمة ستشهد تصعيداً متبادلاً، بحيث أن السلطات الرسمية لن تتوانى عن السعي إلى تكريس منطق الدولة في عهد جديد تريده مختلفاً عن المشهد الذي سبقه، من خلال التعاطي بروية وصبر مغلفين بحزم في قمع المخالفات والتعدي على الحريات الشخصية والأملاك العامة والتعرض للقوى الأمنية النظامية اللبنانية والقوات الدولية “اليونيفيل”، ومنع تعطيل المرافق العامة.

يجد الحزب نفسه “وحيداً” أمام معادلة معقدة، بعدما لاح موقف متمايز لقيادة حركة “أمل” عن شريكها في “الثنائي الشيعي”، والتي اعتبرت أن الاعتداء على “اليونيفيل” اعتداء على جنوب لبنان، وقطع الطرق في أي مكان كان هو طعنة للسلم الأهلي، داعية الجيش اللبناني والقوى الأمنية إلى ملاحقة الفاعلين والضرب بيد من حديد على أيدي العابثين.

وفي الوقت الذي لا يريد الحزب التسليم بالوضع المستجد، حتى لا يتم التعامل معه على أنه ضعيف ويقبل بالأمر الواقع، يحتاج إلى التصعيد ليثبت أنه لم يخسر الحرب وهو موجود وقادر على رد الفعل، ويرفض سياسة إخراجه من مواقع القرار ويعارض انفراد الولايات المتحدة بتحديد ما يجوز وما لا يجوز في لبنان. وفي الوقت نفسه لا يريد أن يزيد حجم الغضب المحلي والخارجي ضده، ما يجعله يلجأ الى إستخدام “فصيله الشعبي” (المنظم) لتلفيق قضايا “غب الطلب” لمواجهة العهد والواقع الجديدين، سعياً الى فك الحصار عنه.

شارك المقال