تحديات “المالية”… مناورة بين الضغط السياسي والاصلاح التقني

محمد شمس الدين
وزارة المالية وياسين جابر

إرثٌ من الأزمات في وزارة المالية التي لطالما شكلت عقدة في تشكيل الحكومات في السنوات الأخيرة، والتي يتولاها في العهد الجديد الوزير ياسين جابر.

ولكن بعيداً من السياسة، فإن الوزارة بحاجة إلى نهج تقني علمي يستطيع القيام بالاصلاحات اللازمة. ففي ظلّ أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخ لبنان الحديث، تُواجِه الوزارة تحديات استثنائية تُمثّل اختباراً لصدقية الطبقة السياسية وقدرتها على وقف الانهيار.

بعد أربع سنوات من الانهيار المالي (2019 – 2023)، الذي دمّر قيمة العملة المحلية وقضى على المدخرات وأفقرَ أكثر من 80% من السكان وفق الأمم المتحدة، تتحمّل الوزارة مسؤولية إدارة ملفات شائكة تتراوح بين إعادة هيكلة الديون وإصلاح النظام المصرفي وتأمين التمويل الدولي المشروط بإصلاحات مؤلمة.

الديون السيادية

تُعدّ أزمة الدين العام (نحو 100 مليار دولار، أو ما يعادل 170% من الناتج المحلي الاجمالي) التحدي الأبرز. فلبنان ما زال يعيش تداعيات أولى حالات التخلّف عن سداد السندات في تاريخه عام 2020، من دون أي تقدّم في مفاوضات إعادة الهيكلة مع الدائنين، بسبب الخلافات السياسية ورفض المصارف تحمّل خسائر.

ويواجه الوزير الجديد ضغوطاً لاعتماد خطة واقعية تتضمن:

– إعادة هيكلة الديون عبر مفاوضات مع حاملي السندات.

– مراجعة اتفاقيات القروض مع دول مثل الكويت والسعودية.

– إصلاح المالية العامة بخفض عجز الموازنة (الذي تجاوز 40% عام 2022).

معضلة الاستقرار النقدي

فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها منذ العام 2019، ما دفع التضخم إلى ارتفاعات قياسية (نحو 230% في 2023)، وفق البنك الدولي. وتتحمّل الوزارة مع المصرف المركزي مسؤولية إيجاد آلية لوقف الانهيار، مثل:

– إقرار قانون الرقابة على رأس المال (Capital Control) لتنظيم سحب الودائع.

– توحيد سعر الصرف بعد تعدد الأسعار (الرسمي، السوق السوداء، “الصرافة”).

– إصلاح نظام الدعم الذي يستنزف ما تبقى من احتياطيات الدولة.

النظام المصرفي

أصبح القطاع المصرفي، الذي كان يوماً “جنّة الودائع”، رمزاً للأزمة بعد انهيار ثقة المودعين وتجميد الودائع (نحو 130 مليار دولار). وتتطلب إعادة الإعمار:

– تقييم الخسائر وتوزيعها بين الدولة والمصارف والمودعين.

– إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف العالِق منذ 2020.

– مواجهة احتجاجات المودعين المطالبين باستعادة مدخراتهم.

إصلاحات مقابل الدولارات

وتشترط الجهات المانحة، مثل صندوق النقد الدولي (اتفاقية الـ3.2 مليارات دولار المُعلَقة منذ 2022)، تنفيذ إصلاحات صارمة، أبرزها:

– إصلاح قطاع الطاقة (الذي يستهلك 40% من الموازنة).

– تعزيز الشفافية عبر تدقيق حسابات المصرف المركزي.

– إقرار قانون المصالحة المالية لمحاسبة المُتلاعبين بالمال العام.

لكنّ التنفيذ يواجه عراقيل سياسية، إذ تُعارض كتل نيابية إصلاحات تمسّ مصالح زعمائها.

العدو الداخلي

لا يمكن فصل أزمة المالية العامة عن ثقافة الفساد المُمنهج، الذي حوّل الدولة إلى “ماكينة نهب”. فوفق مؤشر مدركات الفساد (2023)، حلّ لبنان في المرتبة 154 عالمياً من أصل 180 دولة. ويتطلب الاصلاح:

– تفعيل هيئة مكافحة الفساد (المعدة منذ 2020).

– محاسبة كبار المُتورطين في تهريب الأموال والتهرب الضريبي.

– رقابة صارمة على الإنفاق العام وصفقات الاستيراد.

الواقع الاجتماعي

تُعقّد الأزمة الاجتماعية مهمة الوزارة، فخفض الدعم وزيادة الضرائب (مثل ضريبة الـ2% على التحويلات) يهدّدان بموجة فقر أوسع. كما أن تأمين رواتب الموظفين (التي تآكلت قيمتها بنسبة 90%) بات شبه مستحيل من دون طباعة نقدية تُفاقم التضخم.

إن معضلة وزارة المالية ليست في غياب الحلول التقنية، بل في غياب الإرادة السياسية لتنفيذها. فخطة الاصلاح التي أعدّها البنك الدولي وصندوق النقد موجودة، لكنها تتعثر أمام رفض النخبة التخلي عن امتيازاتها. وسيكون على الوزير:

– إقرار موازنة واقعية بعد ثلاث سنوات من الاعتماد على “موازنات إلكترونية”.

– تفعيل إصلاح الضرائب بعيداً عن تحميل الفقراء أعباء الأزمة.

– استعادة الثقة الدولية عبر خطوات ملموسة في محاربة الفساد.

فإذا فشلَت الحكومة بالزخم المحلي والدولي الذي تحظى به، سيسلم اللبنانيون أن لا أمل ببلدهم، الذي سيكون مصيره في مصاف “الدولة الفاشلة”، حيث تتحكّم المافيات بموارد البلاد المتبقية.

شارك المقال