لطالما سخر “حزب الله” من مقولة مؤسس حزب “الكتائب اللبنانية” بيار الجميّل “قوة لبنان بضعفه”، إلا أنه بعد الحرب الأخيرة التي هُزَمَ فيها أمام اسرائيل، ورضخ لإتفاق وقف إطلاق النار الذي ينصّ على نزع سلاحه في كل لبنان، ما أعاد الوهج إلى الدولة، فبدأت تستعيد عافيتها، أصبحت المقولة الصائبة والدقيقة “قوة لبنان في ضعف مقاومته”.
ما حصل بالأمس كان آخر فصول حكاية “المقاومة المسلّحة الايرانية السلاح والتمويل” في لبنان، إذ ودّعت جماهير “الحزب” قيادتها الرمزية التاريخية المتمثّلة بالأمين العام السابق حسن نصر الله، في مشهدية كانت معبّرة عبر حشود “ممانعة” أتت من كل دول هذا المحور “المهزوم” والمحبط عسكرياً منذ 8 تشرين الأول 2023.
ولا شك في أن المشهدية التي تابعها اللبنانيون في المدينة الرياضية كانت متخمة بالرسائل ولا سيما في كلمة الأمين العام الحالي الشيخ نعيم قاسم الذي أهم ما تكلّم به هو أن “الحزب” دخل مرحلة جديدة سيشارك فيها “ببناء الدولة القوية والعادلة ونساهم في نهضتها على قاعدة المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وتحت سقف إتفاق الطائف ضمن ركائز ثلاث أساسية: أولاً إخراج المحتل وإعادة الأسرى، ثانياً إعادة الإعمار والترميم والبنى التحتية كإلتزام أساسي لهذه الدولة ونحن معها، ثالثاً إقرار خطة الإنقاذ والنهضة الاقتصادية والمالية والادارية والقضائية والاجتماعية في أسرع وقت، رابعاً نحن حريصون على مشاركة الجميع في بناء الدولة وحريصون على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، وبالنسبة الينا لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه ونحن من أبنائه”.
لا بد من الاعتراف بأن هذا الكلام غير مسبوق من ممثل “الحزب” الرسمي، ويبشّر بمرحلة جديدة، وهو ينطوي على قبول ضمني بتحرير ما تبقى من مواقع محتلة في الجنوب عبر المساعي الديبلوماسيّة، وتطبيق القرار 1701. واللافت أن المشهد الأرضي في المدينة الرياضية لم يكن وحيداً في لبنان أمس، إنما رافقه مشهد آخر من الأجواء اللبنانية عميق برمزيته، إذ نشطت اسرائيل بمراقبة الأجواء وشنّ غارات عديدة على مواقع “الحزب” في الجنوب وبعلبك، من دون أي ردّ من “الحزب”، وليس هناك أبلغ من هذا المشهد الذي يُمكن فهمه أن اسرائيل دفنت مشروع سلاح “الحزب” إلى الأبد، وسيبقى السيف مصلتاً عليه كلّما حاول أن يخرق اتفاق وقف اطلاق النار بتحركات مشبوهة كتهريب السلاح والأموال وما إلى ذلك من أفعال باتت تنتمي إلى لبنان القديم! بدليل أن وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس عبّر بوضوح عن المعادلة المفروضة بالقوة قائلاً: “الطائرات الحربية الاسرائيلية التي تحلّق فوق بيروت خلال جنازة نصر الله ترسل رسالة واضحة وهي أن من يهدد اسرائيل ويُهاجمها سيكون مصيره الموت”.
في هذا الاطار، أكّد رئيس حزب سيادي أن الأهم في كل مشهديّة تشييع نصر الله هي كلمة نعيم قاسم التي فهمنا منها أولاً أنه سلّم بمرجعية الدولة في مواجهة الاحتلال الذي استدرجه “حزبه”، ثانياً أعلن عن استمراره بالمقاومة غير العسكرية لأن الأمر أصبح منوطاً بالدولة اللبنانية، ثالثاً الانضواء تحت سقف الطائف وأن لبنان وطن نهائي لأبنائه.
ولفت رئيس الحزب إلى أنها بداية مقبولة للانتقال إلى مرحلة أخرى سيكون فيها القرار لبنانياً بحتاً بمعزل عن تدخلات إيران، لقد انتهت “سكرة” الحشد الكبير بعد نهار أمس الطويل ليواجه “الحزب” واقعه السياسي والاجتماعي اليومي، ويخوض تحدي “الإعمار” والعودة إلى القرى والمطار والتمويل وإعادة هيكلة “الحزب”… لكن كل الأمور ستكون تحت السقف السياسي غير العسكري، وربما خرج من هذا اليوم بمكسب واحد هو مبايعة جمهور “الحزب” لقيادته مجدداً بعدما تسبّب في تدمير لبنان وتهجير بيئته!
أما ما تكلّم عنه قاسم في ما يخصّ خيار المقاومة، فهو يعرف أكثر من غيره أن المواجهة العسكرية مع اسرائيل لم تعد ممكنة بالمعنى “السابق”، وإذا لجأ إلى عمليات محدودة أو إطلاق صواريخ ومسيّرات مستنداً إلى ذريعة النقاط الخمس المحتلة، كونها على أراضٍ لبنانية أو استعمال التحركات الشعبية للإنقلاب على اتفاق وقف إطلاق النار، أو أي عملية انقلابية في الداخل تهدد السلم الأهلي، سينتظر الشعب اللبناني والمجتمع الدولي أن تبادر الدولة إلى منعه بالقوة، لأن هذا الفريق يكون هدفه عرقلة مشروع الدولة ودورها وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء بتخطيط إيراني، واللحظة التي تساوم فيها الدولة أو تساير تقع في المحظور فتسقط هيبتها وينتهي دورها ويسقط معها الاستقرار.
ومَن لديه أي اعتراض مثلاً على الدستور من حقّه الطبيعي المطالبة بتعديله، وفتح النقاش السياسي حول البنود والنصوص الموجودة في متنه، ولكن ليس من حقّه إطلاقاً تعطيل دور الدولة بالقوة بحجج كلفّت لبنان وشعبه الكثير من الموت والدمار والخراب.
وربما الخوف من “الحزب” سببه حاجته إلى انتصار معيّن يستعيد فيه هيبته بعد الهزائم المتتالية، وما شهده المطار مؤخراً يعكس تصرفات بيئة “الحزب” التي تجنح نحو التطرف المذهبي، وقد وصل الأمر بالبعض إلى دعوة كل معارضي “الحزب” إلى مغادرة لبنان! ويرى كثيرون أن هذا التوجّه ليس عفوياً بل مخطّط له من جناح الصقور في “الحزب” الذي ليس منسجماً مع الكلام “المعتدل” لنعيم قاسم.
في المحصّلة، لا يكسب “الحزب” عبر “صهينة” كل من هم خارج بيئته الكثير، بل على العكس، قد يؤدي ذلك إلى مزيد من رفض الآخرين له، وطرح تساؤلات حول فكرة التعايش معه، وسيزيد من دعوات معارضي “الحزب” إلى الفيدرالية أو التقسيم!


