في خطوة لافتة تعكس تغيرات في المشهد السياسي والاقتصادي السوري، بدأت “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) بتوريد النفط إلى الحكومة السورية الجديدة في دمشق، وسط مفاوضات سياسية مستمرة بين الطرفين. هذه العملية تأتي في ظل مساعٍ لإعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية والادارية بين القوى المسيطرة في البلاد بعد التغيرات الأخيرة.
تفاصيل الصفقة وأهميتها
كشف مصدر في وزارة النفط السورية لموقع “لبنان الكبير” أن “قسد” بدأت بإرسال النفط من حقول تقع في محافظتي الحسكة ودير الزور، بكمية تقدر بنحو مليون متر مكعب من الغاز و5 آلاف برميل من النفط الخام تنقل عبر صهاريج من محطة تل عدس في ريف المالكية كمرحلة أولى، ليتم تكريره في مصافي بانياس وحمص، المصفاتين الرئيسيتين في البلاد. وبحسب الاتفاق، سيتم تصدير أكثر من 5 آلاف برميل يومياً من النفط الخام من حقول الحسكة ودير الزور، وهو ما يغطي جزءاً صغيراً فقط من احتياجات الحكومة السورية، التي تبلغ أكثر من 5 ملايين برميل شهرياً.
وقال مصدر في الادارة الذاتية لموقع “لبنان الكبير” أن الاتفاق الحالي يأتي كبادرة حسن نية تقدمها الادارة الذاتية في سبيل دعم وتمكين قدرات الحكومة المركزية في دمشق، ولأجل تحقيق تقدم في الحوار القائم مع حكومة دمشق.
في هذا السياق، أوضح الدكتور فاروق الإبراهيم، رئيس حركة الاصلاح والتغيير، لموقع “لبنان الكبير” أن “المسألة أعقد من مجرد النفط والغاز، فهي تتعلق بمصير المنطقة ككل، ويجب أن تخضع إدارتها للحكومة المركزية من دون أي تنازلات عن الحقوق الواضحة لأهالي المنطقة”. كما شدد على ضرورة التحقيق في العقود النفطية الرسمية، خصوصاً مع إقليم كردستان العراق، والوقوف على حجم النفقات خلال السنوات الماضية، معتبراً أن “هذه أموال الشعب، ويجب محاسبة كل من أهدَرها أو قام بتحويلها إلى الخارج لأغراض غير قانونية”.
تعتبر هذه العملية أول شحنة نفطية معلنة بين “قسد” والحكومة السورية الجديدة، وتأتي وسط محادثات سياسية جارية حول إمكان دمج “قسد” في الجيش السوري، وكذلك بحث سبل بسط سيطرة دمشق على المناطق الغنية بالنفط في الشمال الشرقي.
تحولات في سوق النفط السوري
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، شكلت السيطرة على حقول النفط محوراً رئيسياً للنزاع بين مختلف الأطراف المتصارعة. وخلال السنوات الماضية، تمكنت “قسد”، بدعم من الولايات المتحدة، من السيطرة على معظم الحقول النفطية الاستراتيجية، إلا أن العقوبات الأميركية والأوروبية شكلت عائقًا أمام تصدير النفط بصورة قانونية.
في كانون الثاني الماضي، أصدرت واشنطن إعفاءً مؤقتاً من العقوبات لمدة ستة أشهر، ما سمح ببعض المعاملات في قطاع الطاقة، وهو ما فتح الباب أمام الصفقة الأخيرة بين “قسد” ودمشق. في الوقت نفسه، تعاني الحكومة السورية الجديدة من صعوبات كبيرة في استيراد النفط بسبب العقوبات المفروضة والمخاطر المالية، بحيث لم تتمكن الحكومة من جذب تجار كبار للمشاركة في عطاءاتها النفطية الأولى بعد هروب الأسد.
التحديات والآفاق المستقبلية
قبل اندلاع الثورة، كانت سوريا تنتج حوالي 380 ألف برميل يومياً، لكن الإنتاج انهار إلى نحو 15 ألف برميل يومياً بسبب الصراع والتدمير الذي طال البنية التحتية النفطية. ووفقاً لوزارة النفط السورية، فإن الاستهلاك المحلي يفوق 200 ألف برميل يومياً، ما يعني أن دمشق تعتمد بصورة أساسية على الواردات النفطية لسد العجز. وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن احتياطي سوريا النفطي يبلغ نحو 2.5 مليار برميل، مع تركّز معظم الحقول في المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”.
وتشمل هذه الحقول الكبرى: حقل السويدية: كان ينتج أكثر من 110 آلاف برميل يومياً قبل الحرب. حقل الرميلان: كان يضخ نحو 90 ألف برميل يومياً. حقل العمر النفطي في دير الزور: كان ينتج حوالي 80 ألف برميل يومياً. ويبدو أن قدرة سوريا على استعادة إنتاجها السابق ستظل ضعيفة، بسبب الدمار الذي لحق بالبنية التحتية النفطية، وتقادم المعدات، والصعوبات اللوجيستية التي تعوق عمليات الاصلاح والتطوير.
مع استمرار المفاوضات بين “قسد” ودمشق، يظل التساؤل قائماً حول ما إذا كانت هذه الخطوة ستقود إلى تفاهم أوسع بين الطرفين، في ظل واقع اقتصادي وسياسي جديد تشهده سوريا بعد الأسد. ومن غير المستبعد أن تكون هذه الاتفاقيات النفطية مقدمة لإعادة دمج المناطق الشمالية الشرقية ضمن سلطة دمشق، مع منح “قسد” بعض الضمانات السياسية والادارية في إطار تسوية شاملة.


