من المتوقع أن تؤثر الجغرافيا السياسية بصورة كبيرة على آفاق الشحن هذا العام. فقد أدت الحروب والتوترات السياسية إلى تغيير أنماط التجارة، وتسبب الاجراءات الحمائية بانخفاض في الكفاءة. والقضية الرئيسية هي استئناف طريق البحر الأحمر/السويس، وهو أمر بالغ الأهمية لشحن الحاويات. كما لا تزال شحنات الناقلات قوية، في حين تواجه شحنات البضائع السائبة تحديات كبيرة.
هذه التحذيرات أتت في قراءة للخبيرين الاقتصاديين في قطاع النقل والخدمات اللوجيستية ريكو لومان وإنيا فيشنر. وتوقع الخبيران “هزة” جيوسياسية في عالم الشحن وطمس التوقعات بالاضافة إلى ارتفاع في الرسوم الجمركية وابتعاد الشحن عن المسار الصحيح في ملف خفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون بنسبة 20-30%.
وحسب القراءة، “اختبر مجال الشحن أوقاتاً مضطربة على مدار السنوات القليلة الماضية، ولا يبدو عام 2025 مختلفاً مع ارتفاع مخاطر تعطيل التجارة. ويتحدى هذا الغموض شركات الشحن ويدفع الى الاستعداد لسيناريوهات مختلفة. ويعد شحن الناقلات الأكثر تأثراً بالقضايا الجيوسياسية بسبب ارتباطه بأسواق الطاقة الحساسة والعقوبات، وهذا ينسحب على شحن البضائع السائبة والحاويات كذلك.
ومن المثير للاهتمام أن هذه التحديات لا تنذر بالهلاك المالي للقطاع؛ وغالباً ما تؤدي إلى فوائد مثل قيود القدرة وارتفاع أسعار الشحن. وتتعرض التجارة العالمية للسلع الى الضغوط مع فرض تعريفات جمركية أميركية جديدة على الصين، ورسوم إضافية على الصلب والألمنيوم، والتحقيقات القطرية بعد إطلاق إدارة ترامب 2.0. الرسوم الاضافية الكبيرة المحتملة على مشغلي السفن الصينيين، مثل Cosco، وأولئك الذين يستخدمون العديد من السفن المصنعة في الصين. كما من المتوقع حدوث تحولات في مخططات التجارة والإبحار.
وستترك الرياح الحالية المعاكسة التجارة تكافح لمواكبة الناتج المحلي الاجمالي العالمي في السنوات القادمة، في حين كانت التجارة تنمو بما يتماشى مع – بل وحتى أسرع من – الاقتصاد العالمي. وعلى أساس إقليمي، تظل آسيا أقوى محرك نمو للتجارة والشحن، مدفوعة بالنمو الاقتصادي الهيكلي القوي. كما لا تزال الولايات المتحدة تنمو في الوقت الحالي، بينما تتخلف أوروبا عن المتوسط العالمي حيث يواجه الإنتاج الصناعي انتكاسات ويستمر التصنيع في الترنح بسبب أسعار الطاقة المرتفعة.
وتوقع التقرير أن “تؤدي الاجراءات الحمائية التي تتخذها حكومة الولايات المتحدة إلى زيادة التكاليف وتثقل كاهل نمو التجارة لعام 2026 وما بعده، خصوصاً إذا تحولت إلى حرب تجارية. ومن المرجح أن ينعكس التحميل المسبق والتخزين من شركات الشحن إلى حد كبير، ما يثقل كاهل النمو في الأمد القريب. بالنسبة الى التجارة العالمية، قد يؤدي هذا إلى انخفاض يصل إلى 3٪ في عام 2026 في أسوأ السيناريوهات، بما في ذلك نزاع تجاري عالمي كامل وطويل الأمد. ولكن في سيناريو متفائل، ما زلنا نتوقع بقاء بعض النمو. من غير المرجح أن يحدث انهيار، حيث تغطي الولايات المتحدة جزءاً فقط من تدفقات التجارة وقد أظهرت التجارة سابقاً القدرة على التكيف من خلال التحول إلى دول أخرى، بما في ذلك فيتنام”.
نمو قياسي في الطلب على شحن الغاز الطبيعي المسال
وبينما الانتاج الصناعي هو المحرك الأكثر أهمية لتدفقات التجارة، يتوقع في العام 2025، أن يشهد قطاع الشحن البحري أكبر نمو في قطاعات الشحن البحري ذات الصلة، وهو الغاز الطبيعي المسال، الذي يعد وقوداً بديلاً للغاز المنقول عبر الأنابيب (في أوروبا) والفحم، فضلاً عن جزء متزايد الاتساع من مزيج وقود السفن في الشحن البحري (كجزء من تنظيم الاتحاد الأوروبي للوقود في الشحن البحري).
وأدت الجهود المبذولة لزيادة إنتاج الطاقة المتجددة وتباطؤ النمو الاقتصادي إلى تخفيف احتياجات الصين من النفط. ومع ذلك، من المتوقع أن تنمو التجارة البحرية بصورة أسرع من المتوقع. كما لا يبدو أن هناك أي ركود عالمي قبل العام 2030. وهذا يختلف عن الفحم، الذي من المتوقع أن يصل إلى ركود في وقت سابق. ولا يزال من المتوقع أن تشهد تجارة الحاويات نمواً سنوياً بنسبة 3% في العام 2025. وسوف نناقش عناصر محددة في قطاعات الناقلات والبضائع السائبة على التوالي.
رسوم جمركية أعلى على الواردات
قد تفرض إجراءات التعريفات الجمركية تغييرات كبيرة في ممرات التجارة، ما يؤثر على نشاط الشحن. وقد تبدأ الشركات في البحث عن شركاء جدد للالتفاف على الرسوم الجمركية الأعلى، وهو ما قد يؤدي أيضاً إلى إعادة التصنيع في الأمد المتوسط. وهذا ما قد يحفز المزيد من النقل البري وزيادة الطلب على السفن الأصغر خصوصاً في أميركا الشمالية. وبدأت العلاقة بين اثنين من أكبر الشركاء التجاريين في العالم، الولايات المتحدة والصين، تتغير بالفعل في ظل إدارة ترامب الأولى، بحيث تستورد الشركات الأميركية بصورة أقل مباشرة من الصين وأكثر (بصورة غير مباشرة) من دول آسيوية أخرى مثل فيتنام.
كما شهدت دولة أخرى “مرتبطة” وهي المكسيك زيادة في التجارة مع الولايات المتحدة. ويعمل شركاء سلسلة التوريد على تنويع مصادرهم لبناء المرونة، مع الدروس المستفادة من الاضطرابات المختلفة أثناء الوباء وبعده. وهذا يعني أن سلاسل التوريد أصبحت أطول، وأن الموانئ الأصغر حجماً تشارك بصورة متزايدة في الشبكة.
وعموماً، ارتفع حجم الشحن بالطن بعد العقوبات المفروضة على روسيا والتحولات في تدفقات السلع من روسيا إلى الدول الآسيوية، مع قيام أوروبا بالتوريد من أماكن أخرى. وأدى هذا إلى تحويل الامدادات القصيرة المدى إلى إمدادات أطول مدى، ومن غير المرجح أن ينعكس هذا قريباً. كما نتوقع المزيد من التغييرات في مزيج المنتجات المشحونة وطرق التجارة. على سبيل المثال، قد تحتاج الولايات المتحدة إلى استيراد المزيد من خام الحديد لزيادة إنتاجها من الصلب. وقد يزيد الطلب على نقل معادن البطاريات أيضاً في هذا الصدد. وعلى صعيد مختلف، قد تؤثر إجراءات التعريفات الجمركية بشدة على صادرات السيارات وشركات النقل المتخصصة.
البحر الأحمر مفتاح لتوقعات الشحن
وتعد إعادة التوجيه حول رأس الرجاء الصالح لتجنب طريق البحر الأحمر والسويس “المحفوف بالمخاطر” عاملاً حاسماً في توقعات الشحن. في بداية العام 2024، توقع معظم الفاعلين في السوق أن يستمر التجنب لبضعة أشهر. ومع ذلك، بعد مرور عام، لا يزال الوضع الراهن قائماً، بحيث تتجنب أكثر من نصف السفن دخول مضيق باب المندب، بما في ذلك معظم سفن الحاويات الكبيرة وحوالي 40٪ من النفط والبضائع السائبة الجافة التي تم شحنها سابقاً على الطريق. وشكل اتفاق وقف إطلاق النار في أوائل العام 2025 لغزة خطوة أولى نحو الاستقرار والاستئناف النهائي لطريق البحر الأحمر، لكن الوضع في الشرق الأوسط لا يزال هشاً حتى الساعة”.


