مشهد أقل ما يقال عنه إنه “مستفز”، بعد إنتشار فيديو لمجموعة من المستوطنين الاسرائيليين وهي تقوم بجولات “دينية”، بمحاذاة الحدود اللبنانية جنوباً، وتمارس “طقوسها” مقابل تلّة العبّاد، عند أطراف بلدة حولا في قضاء مرجعيون، زاعمة أن القبر الموجود يعود الى حاخام يهودي يدعى راب آشي، وهو من أهم الحاخامات في التاريخ اليهودي.
فرضيات تاريخية ودينية كثيرة حاول ويحاول الاسرائيليون تسويقها، لإلصاق جذورهم بمنطقة الشرق الأوسط حتى يشرّعوا استيطانهم واحتلالهم، لا بل الابادة التي يرتكبونها في منطقتنا.
يوضح رئيس بلدية حولا شكيب قطيش، لموقع “لبنان الكبير”، أن زيارة المستوطنين للمكان، تعتبر الأولى من نوعها منذ زمن، وأن النقطة التي تعرف باسم تلّة العباد جرى إحتلالها سنة 1948 من القرن الماضي، وهي تعرف باسم تلّة “شيخ العباد”، نسبة الى شيخ كان يتعبّد في المنطقة، وهو لبناني الأصل، وليس يهودياً، مؤكداً أن هناك قبراً في النقطة التي أصبحت موقعاً عسكرياً لا بل إستراتجي كونها تطل على المنطقة وتكشفها.
وبحسب قطيش، الذي كان زار القبر عدّة مرّات في السابق، فانه “قبر عادي، يشبه الأضرحة في مقابرنا، وتاريخياً يعرف بأنه يعود الى متعبّد، لكن لا يعرف من أي بلدة”.
ابنة حولا، الصحافية مروى بلوط، والتي يطل بيتها مباشرة على الموقع المذكور، تشير في حديثها لموقع “لبنان الكبير”، الى أنهم سمعوا روايات كثيرة عن المكان من جدودهم، وهي أن القبر يعود الى شيخ كان يتعبّد في المنطقة، وحديثاً جرى التداول بخبرية أن القبر يعود الى أحد الحاخامات، في محاولة لخلق سردية تطمس معالم المكان الحقيقية.
وتضيف بلوط: “فقدنا الشعور بالأمان داخل البلدة بسبب التجاوزات والتمادي الذي يحصل كلّ يوم، كما فقدنا الأمان داخل بيتنا الذي يقع في نقطة حسّاسة أمنياً”.
وبالنسبة الى مروى، موقع العباد له نكهة خاصة في ذكريات أبناء البلدة، الذين كانوا يقصدون المكان للتنزّه، أمّا اليوم فبات الأمر مستحيلاً لا بل خطير خصوصاً في ظل الاستهدافات والخروق التي نشهدها، فالبلدة حتماً لن تكون آمنة بوجودهم.
وتلفت الى أنها قصدت بيتها قبل فترة، وما لبثت أن غادرت المكان على الفور بسبب طائرات الاستطلاع التي لم تفارق السماء، مؤكدة أنها لا تفكر بالعودة في الوقت الحالي.
وبالعودة الى رئيس البلدية، فقد شدد على ضرورة عودة الناس إلى البيوت الصالحة للسكن، لوضع حدّ لهذه الانتهاكات، معتبراً أن الناس لا تشعر بالخوف من هذا التمادي، بل بالاستفزاز. ويضيف: “حوالي 70% من البيوت في حولا جرى تدميرها بالكامل، أي قرابة 500 منزل مهدم، وما يقارب 300 بيت جرى حرقه، وهي لا تصلح للسكن”.
وشدد قطيش على أن الأمر كلّه برسم الدولة اللبنانية.
وفي وقت سابق، قامت مجموعة من المستوطنين بترميم القبر، ووفّر لها الجيش الاسرائيلي الحماية والدعم اللوجيستي. كما تم طلاء شواهد القبر باللون الأزرق ونقل السياج الحدودي ليشمل ما تسميه إسرائيل “الجزء المقدس” في الأراضي اللبنانية.
بالتزامن مع هذه التحركات، نظّم وفد إعلامي إسرائيلي جولة على الحدود الشمالية، شملت مستوطنة “المطلة” المقابلة لكفركلا والعديسة، والموقع العسكري الاسرائيلي في “أفيفيم” قبالة بلدة مارون الراس، في خطوة تُظهر تنسيقاً بين الاعلام والمؤسسة العسكرية لتكريس السردية الدينية حول الموقع.
ما يجري في تلة “شيخ العباد” ليس مجرد زيارة دينية عابرة، بل يُنذر بتكرار سيناريو السيطرة الاسرائيلية على المقامات في الضفة الغربية، حيث تحوّلت مقامات مثل قبر يوسف في نابلس إلى بؤر استيطانية محصنة تحت ذريعة قدسيتها الدينية.
وتشير مصادر إلى أن إسرائيل تعتبر الاحتفاظ بخمس نقاط استراتيجية في جنوب لبنان أمراً ضرورياً، ما يثير المخاوف من تحويل موقع العباد إلى نقطة استيطانية دائمة بحجة تأمين “حق اليهود” في الصلاة هناك.
وينفي عالم الآثار محمد حسن، أن تكون هناك معالم أثرية يهودية في الجنوب، لأن تاريخ وجودهم يتزامن مع تاريخ حقبة الفينيقيين، أي عام 500 قبل الميلاد، مؤكداً أن الفينيقيين في تلك الفترة كانوا في المنطقة وليس اليهود. ويعدّد حسن بعض المعالم الذي يعود الى الطائفة اليهودية في لبنان:
- كنيس ماغين أبراهام (بيروت)
يقع في وسط بيروت، وهو أكبر وأشهر كنيس يهودي في لبنان. تم بناؤه عام 1925، وأُعيد ترميمه في السنوات الأخيرة بعد أن تعرض لأضرار خلال الحرب الأهلية اللبنانية. - مقابر يهودية
هناك مقبرة يهودية قديمة في منطقة سوطار – رأس النبع (بيروت)، وأخرى في صيدا وبعض المناطق الأخرى، حيث كانت الجالية اليهودية موجودة منذ العهد العثماني. - بقايا كُنُس يهودية أخرى
هناك تقارير عن وجود بقايا كُنُس قديمة في طرابلس وصيدا، لكنها لم تعد تُستخدم بسبب هجرة معظم اليهود اللبنانيين إلى الخارج.
أمّا السؤال الأهم، فهل سنشهد زيارات “دينية” متكررة من جيران غير مرحب بهم


