على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، حيث كانت سوريا في الماضي محوراً لتجارة الأجداد، تحول المشهد اليوم إلى ساحة لصراعات إقليمية محتدمة. نظام الأسد البائد جعل من الموانئ السورية مرتعاً لتجارة السلاح والمخدرات، غير أن التغييرات الجيوسياسية الأخيرة فرضت واقعاً جديداً يصعب على “حزب الله” وميليشيات الحرس الثوري الايراني تقبله.
مع إغلاق الطريق الدولي طهران-بيروت الذي يمر عبر بغداد ودمشق، والاعلان عن عودة الهلال الخصيب، يسعى “حزب الله” إلى فرض واقع جديد هذه المرة عبر استخدامه مجموعات من فلول النظام البائد عملت سابقاً ضمن قوام الفرقة 25 التي كان يقودها اللواء سهيل الحسن، وذلك عبر استخدامها لقيادي يدعى المقداد فتحية، والذي كان جزءاً على مدار السنوات الماضية من منظومة إجرامية مشتركة مع “حزب الله”، إذ شكل الآن ما يعرف بـ”لواء درع الساحل” الذي ينفذ عمليات محكمة في مناطق متفرقة من ريفي اللاذقية وطرطوس، مستهدفاً عدداً من الدوريات على مدى اليومين الماضيين.
يمكن اعتبار ما جرى أنه محاولة أولية للانقلاب والتمرد المسلح على الدولة، ويمكن القول إن ما جرى مخطط مدار من غرف عمليات عسكرية قد تكون داخل قاعدة حميميم من ضباط النظام البائد، إذ لا تزال هذه القاعدة تحتوي على أكثر من 250 ضابطاً مع عوائلهم وهم يخضعون للحماية الروسية. ما جرى كان واضحاً أن الهدف منه هو إيجاد بقعة ثالثة تخرج عن عباءة الدولة مثل مناطق شمال شرق سوريا التي تسيطر عليها قوات سوريا الديموقراطية، والتي تخضع بصورة كاملة لنفوذ حزب العمال الكردستاني “المصنف على قوائم الارهاب في الولايات المتحدة الأميركية”، وكذلك المنطقة الأخرى والتي هي أخف وطأة على الدولة من مناطق شمال سوريا، وهي منطقة السويداء التي تخضع لنفوذ عدد من الفصائل مختلفة التوجهات والآراء، لكن الفصيل الأكبر وهو “لواء أحرار الجبل” قريب من الدولة في دمشق ويؤمن بمشروعها، وكذلك الفصائل الأخرى لكنها بدرجات أقل، وتبقى إشكالية قابلة للحل تحول دون الاندماج الفعلي في قوام وزارة الدفاع، على عكس مناطق شمال شرق سوريا التي تريد امتيازات واستقلالية في هيكلية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وتعليقاً على ذلك، قال مصدر عسكري لموقع “لبنان الكبير” إن القوى الأمنية أوقفت العملية العسكرية خلال منتصف ظهيرة أمس، واستؤنفت مساءً بعد أن أخرجت قوات عسكرية غير منظمة تشكلت من مجموعات من المدنيين، وأعادت هيكلة الخطط العسكرية، تمكنت خلالها من إحلال الأمن في بانياس وجبلة وريف طرطوس وريف حماة بالتنسيق مع الوجهاء المحليين. وأكد أن قواتهم تحاصر مجموعة من الفلول في ريف الحفة، وستستمر العمليات في ريف طرطوس قرب الحدود مع لبنان التي يتم استغلالها لتنفيذ عمليات تهريب الأسلحة والمال إلى مقاتلي “لواء درع الساحل”. وأكد المصدر أن مشروع التمرد قد انتهى كلياً، وما تبقى هم فلول قليلة تتم متابعتهم بحذر وبحرص شديد. واعتبر أن محاولة إيجاد بقعة لإنشاء حكم خاضع لاستثناء وربطها بأي مشاريع على الأرض السورية هو وهم وفشل، ولن نسمح بذلك.
انتهاكات جسيمة
لم تخلُ العمليات العسكرية من انتهاكات وقعت على مدنيين. في حديث لمصدر عسكري أكد لموقع “لبنان الكبير”، أن الانتهاكات كانت من طرف الفلول بالدرجة الأولى، بحيث ارتكبت العديد من الجرائم بحق مدنيين في قرى لم تصل إليها قوات الدولة بعد في ريف بانياس. وأضاف أن بعض القوات التي شاركت إلى جانب قوى الأمن والقوات العسكرية كان نتيجة فوضى، فالتحق بدافع وطني لتأييد القوى الأمنية والعسكرية، ولكنه لم يكن ضمن نطاق منظم، ونتحدث هنا عن عشرات الآلاف من الملتحقين. عملنا على إخراجهم، ونعمل مع الوجهاء والأعيان المدنيين في المناطق التي حررت وطهرت من رجس الفلول لإرساء الأمن، وبعض هذه القرى دخلنا إليه بعد تنسيق مع الوجهاء مقابل تعهد بتسليم المجرمين وإلقاء السلاح. نحن نعمل على رد كل الحقوق التي استغلها الخارجون عن القانون من تنفيذ عمليات سرقة جرت نتيجة فوضى العمليات العسكرية، وقمنا بذلك في منطقة جبلة.
خسرنا خلال الكمائن أكثر من 200 شهيد من قوى الأمن، بعضهم قضى حرقاً، وأسرى لنا أعدموا مباشرة. هناك 100 مدني قتلوا على يد هذه الفلول. أي انتهاكات حصلت من جانبنا ستخضع لتحقيق لجنة قضائية مستقلة داخل وزارة الدفاع. هدفنا واضح: إرساء الأمن على كامل الجغرافيا السورية، ولن نسمح بعودة المشاريع الايرانية التي ينفذها “حزب الله”، والذي يموّل “لواء درع الساحل” الذي يقوده المقداد فتحية ويمدّه بالأسلحة والمال وأجهزة الاتصالات المتطورة.
ويقول الناشط ورد لموقع “لبنان الكبير”: “نحن أمام كمية هائلة من الأخبار تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي ليست بالضرورة جميعها صحيحة أو دقيقة. نحتاج اليوم إلى تدقيق هذه المعلومات عبر لجان مستقلة تفضي إلى الحقيقة والمساءلة تحت راية المؤسسات القضائية للدولة السورية”. ويضيف: “لقد رأيت الكثير من الأشخاص الذين نفوا أخباراً تحدثت عن مقتل ذويهم على الرغم من انتشارها كالنار في الهشيم، وكذلك سمعت الكثير من الأخبار التي تحدثت عن مقتل مدنيين في قرى لم تدخلها قوى الأمن على الاطلاق. نحتاج إلى لجان مستقلة تفضي إلى الحقيقة، هناك انتهاكات حصلت نعم، لكن لا يمكن الانسياق خلف المعلومات من دون استقصائها بدقة”.
بناء المؤسسات العسكرية بوصلة الدولة القادمة
يقول العقيد الركن الطيار عبد الله الحمدان إن العمليات العسكرية والأمنية التي جرت في الساحل السوري كانت حاجة ملحة لإيقاف تمرد إرهابي تقف خلفه إيران بلا شك. ويضيف: “الحلم بعودة الطريق الدولي طهران-بيروت انتهى، ولن يُسمح بإعادته، والحلم بتحويل الموانئ إلى تجارة المخدرات والسلاح مجدداً وتخضع لهيمنة حزب الله بعد خسارته ميناء بيروت واستغلاله المستمر لميناء طرابلس اليوم”.
ويوضح الحمدان أن هذه البدائل ستنتهي مع وجود دولة لبنانية قوية تنهي “حزب الله” إلى الأبد، ووجود الجمهورية العربية السورية بقوتها وكفاءاتها سينهي الماضي الايراني إلى الأبد، مشيراً الى أن وزارتي الداخلية والدفاع تحتاجان إلى الاستعانة بالضباط المنشقين لبناء قوام هذه المؤسسات وإضفاء الخبرة عليها، لتمكينهم من تجاوز أي صعاب أو مشاريع تمرد قادمة، والتعامل معها بمبدأ احترافي يجنب البلاد أي مخاطر، ويعطي شرعية للجمهورية العربية السورية أمام المجتمع الدولي، بأن هذه المؤسسات تقام على أسس وطنية وعقيدة وطنية لا حزبية أو فصائلية.


