اتفاق الدولة – “قسد”… ضرورات المرحلة ترسم مستقبل سوريا؟

ماهر الحمدان

في خطوة مفاجئة، أعلنت “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) ورئاسة الجمهورية العربية السورية عن اتفاق تاريخي يقضي بدمج المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة لـ “قسد” ضمن الهياكل الرسمية للدولة السورية. الاتفاق الذي تم التوصل إليه مساء العاشر من آذار جاء بعد مفاوضات مكثفة، وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً في المشهد السياسي والعسكري السوري.

اتفاق يعزز وحدة الأراضي السورية

لأكثر من عقد، ظلت المنطقة الشرقية من سوريا ساحة لتجاذبات سياسية وميدانية، حيث تمكنت “قوات سوريا الديموقراطية” من بسط سيطرتها على مساحات واسعة غنية بالموارد النفطية والزراعية، ما أثار مخاوف من توجهات انفصالية. وعلى الرغم من ارتباطها الأيديولوجي بحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنّف كمنظمة إرهابية من أنقرة وواشنطن، إلا أن التطورات الأخيرة تعكس إعادة تموضع سياسي قد يعيد رسم مستقبل الحكم في سوريا.

وبحسب مصدر داخل “قسد”، فإن الاتفاق الأخير جاء استجابةً لـ”ضرورات المرحلة”، يحيث لم يعد ممكناً فصل مؤسسات الدولة السورية عن المناطق التي كانت تدار ذاتياً. ووفقاً للمصدر، الذي تحدث لموقع “لبنان الكبير”، يتضمن الاتفاق الاعتراف بالمكون الكردي كجزء أساسي من النسيج السوري وضمان حقوقه دستورياً، إلى جانب إعادة ربط المؤسسات المدنية والعسكرية في المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد” بنظيراتها الحكومية من خلال لجان متخصصة. كما يشمل الاتفاق السماح بعودة مؤسسات الدولة، بما في ذلك إعادة تفعيل السجلات المدنية والمعابر الحدودية ومطار القامشلي، ودمج التشكيلات العسكرية لـ “قسد” ضمن وزارة الدفاع السورية وفق آليات يتم التوافق عليها لاحقاً.

إضافةً إلى ذلك، تم الاتفاق على محاربة الارهاب المتمثل في تنظيم “داعش” الارهابي، وكذلك متابعة فلول النظام البائد، في خطوة تعكس تقاطع المصالح الأمنية بين الطرفين وتهدف إلى تحقيق استقرار مستدام في المنطقة. وجاء هذا الاتفاق بدعم أميركي، فرنسي وسعودي، في إطار جهود إقليمية ودولية لضمان استقرار شرق الفرات ومنع أي فراغ أمني قد تستغله الجماعات المتطرفة.

أما في ما يتعلق بالموارد الطبيعية، فلم يوضح المصدر ما إذا كان الاتفاق يتضمن إعادة توزيع عائدات النفط والغاز، لكن مسألة تقاسم السلطة لا تزال قيد النقاش، مع تداول تسريبات حول احتمال منح قائد “قسد” مظلوم عبدي، منصباً سياسياً رفيعاً، ربما كنائب للرئيس.

موقف أميركي: دعم مشروط وتحديات قادمة

تعقيباً على الاتفاق، صرّح مصدر ديبلوماسي في وزارة الخارجية الأميركية لموقع “لبنان الكبير” قائلاً: “نرحب بأي خطوات تدعم وحدة سوريا وتجنّب سيناريوهات التقسيم، وقد نصحنا منذ البداية قيادة قوات سوريا الديموقراطية باللجوء إلى الحوار مع دمشق”. ومع ذلك، شدد المصدر على أن مسألة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة لا تزال قيد المراجعة، موضحاً أن “القرار النهائي بشأن الانسحاب يعود إلى الرئيس الأميركي”.

لم يلقَ الاتفاق اعتراضات داخلية كبيرة، بل حظي بترحيب واسع من مختلف الأطياف السياسية السورية. آرام الدوماني، أمين سر التحالف السوري الوطني، صرح لموقع “لبنان الكبير” بأن “هذا اليوم يمثل تحولاً جذرياً في مسار النضال السوري من أجل دولة المواطنة والعدالة”، مشدداً على ضرورة تنفيذ الاتفاق بما يضمن مشاركة سياسية حقيقية لجميع السوريين، وحماية وحدة البلاد من أي تدخلات خارجية.

من جانبه، أبدى الدكتور محمود الإبراهيم، رئيس حركة الاصلاح والتغيير في دير الزور، ترحيبه بالاتفاق، لكنه أشار إلى تحديات كبيرة في تنفيذه. وقال: “الشيطان يكمن في التفاصيل، هناك حديث عن 8 لجان ستشرف على الدمج، وستكون أمام مهلة زمنية تصل إلى 9 أشهر، لكن لا تزال هناك نقاط غامضة تتعلق بالثروات النفطية وطبيعة الدور المستقبلي لقسد داخل وزارة الدفاع”.

موقف تركيا من الاتفاق والتحديات المتوقعة

أعلنت تركيا ترحيبها بالاتفاق، لكنها تعاملت معه بحذر شديد. في هذا السياق، قال آرام الدوماني لموقع “لبنان الكبير” إن المخاوف التركية لن تتبدد إلا برؤية تنفيذ حقيقي لبنود الاتفاق، مشيراً إلى أن التحدي الأساسي يكمن في مدى الالتزام بتطبيقه. وأكد أن أنقرة ستراقب عن كثب كل خطوة تُتخذ، وستكون لها مواقف واضحة تجاه أي إخلال ببنوده. وأضاف أن من الضروري اليوم تجنب أي محاولات قد تؤدي إلى فشل تنفيذه، محذراً من سيناريوهات غير محمودة العواقب في حال تعثرت عملية التطبيق، ومؤكداً أهمية التمسك بالدولة السورية باعتبارها الرهان الأقوى.

أما محمود الإبراهيم فقال في حديثه لموقع “لبنان الكبير” إن الموقف التركي الحذر أمر طبيعي، إذ ستنظر أنقرة إلى مدى واقعية تنفيذ الاتفاق على الأرض. وأشار إلى أن الانسحاب الأميركي يبدو قريباً، ما يجعل تطبيق الاتفاق ضرورياً لتجنب مخاطر جديدة في المنطقة. وأوضح أن الفشل في حل القضايا العالقة، مثل تقاسم الموارد النفطية ودمج المؤسسات العسكرية والأمنية ضمن هيكل الدولة السورية من دون الإخلال بمنظومتها، قد يعقّد المشهد ويؤدي إلى مزيد من التوترات.

ما بعد الاتفاق

على الرغم من أن الاتفاق يشكل اختراقاً سياسياً مهماً ولحظة مفصلية في تاريخ سوريا الجديدة، إلا أن تحديات تنفيذه قد تعرقل نجاحه. فهناك تساؤلات حول كيفية إدماج “قوات سوريا الديموقراطية” عسكرياً من دون إثارة مخاوف تركيا، وكيفية إعادة هيكلة المؤسسات المدنية من دون خلق صراعات بين النخب الحاكمة في دمشق والقادة المحليين في شمال شرق سوريا. ولا تزال تداعيات الاتفاق على الساحل السوري والسويداء غير واضحة، بحيث يرى بعض المحللين أنه قد يمهد الطريق لتسويات أوسع تشمل مناطق أخرى تشهد اضطرابات سياسية وأمنية.

ما حدث في العاشر من آذار قد يمثل نقطة تحول في مسار الحرب السورية، لكن نجاح الاتفاق سيعتمد على مدى التزام الأطراف المعنية بترجمة التفاهمات إلى خطوات عملية على الأرض. وفي ظل الوضع الاقتصادي المتردي والحاجة الماسّة الى إعادة الإعمار، يبقى تحقيق الاستقرار السياسي مرهوناً بتنفيذ بنود الاتفاق بصورة فعلية ومستدامة وهو ما يمهد للبدء بالمرحلة الجديدة من الجمهورية الثالثة.

شارك المقال