في خطوة تمثل بداية لمرحلة سياسية جديدة في سوريا، أقرت الرئاسة السورية الاعلان الدستوري المؤقت، والذي يأتي في أعقاب انتهاء عمل حكومة تصريف الأعمال، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً على الصعيدين السياسي والاداري. تواجه الحكومة الجديدة تحديات داخلية وخارجية معقدة، بدءاً من إدارة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، إلى إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وتهيئة الأجواء لإجراء إصلاحات سياسية طال انتظارها.
على المستوى الداخلي، تبرز الحاجة الملحّة الى معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة، بحيث لا تزال تداعيات الحرب والعقوبات الدولية تلقي بثقلها على البلاد، ما يضع مسؤوليات كبرى على عاتق القيادة الجديدة. إلى جانب ذلك، تظل الملفات الأمنية حاضرة بقوة، خصوصاً مع استمرار وجود جماعات مسلحة في بعض المناطق، والتحديات المتعلقة بإعادة ضبط الأمن، ودمج القوى المختلفة في إطار وطني موحد.
أما على الصعيد الخارجي، فتواجه الحكومة السورية اختباراً ديبلوماسياً حاسماً، في ظل علاقات متوترة مع العديد من الدول، ومساعٍ دولية لإيجاد حلول سياسية للأزمة السورية. ومن المتوقع أن تلعب السياسة الخارجية دوراً محورياً في تحديد مسار المرحلة المقبلة، سواء من خلال إعادة بناء الجسور مع الدول الاقليمية والدولية، أو عبر التعامل مع الضغوط المستمرة من القوى الكبرى.
يأتي الاعلان الدستوري ليضع الاطار القانوني لهذه المرحلة الانتقالية، بحيث يتألف من 53 مادة تهدف إلى تحديد صلاحيات السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتنظيم عمل مؤسسات الدولة وفق رؤية جديدة تهدف إلى تحقيق الاستقرار، تمهيداً لوضع دستور دائم في المستقبل.
صلاحيات السلطة التنفيذية
تتولى السلطة التنفيذية تنفيذ القوانين والخطط والبرامج المتعددة، وإدارة شؤون الدولة، وتنفيذ السياسات العامة، وإدارة الموارد العامة للدولة، وبناء المؤسسة الأمنية، بالاضافة إلى تشكيل جيش وطني احترافي مهمته الدفاع عن حدود البلاد وسيادتها.
استقلال القضاء وتنظيم المحاكم
أكد الاعلان الدستوري استقلالية السلطة القضائية، بحيث نص على أن “لا سلطان على القضاة إلا للقانون”، كما حدد اختصاصات المحاكم بقانون، مع حظر إنشاء المحاكم الاستثنائية. يتألف النظام القضائي من المحاكم العادية والادارية، ويشرف عليهما مجلس القضاء. كما ينص الاعلان على أن رئيس الجمهورية يعلن التعبئة العامة والحرب بعد موافقة مجلس الأمن القومي، فيما تتبع إدارة قضايا الدولة لوزارة العدل، ويتم تنظيم اختصاصاتها وفقاً للقانون.
الحقوق السياسية والاجتماعية
تكفل الدولة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمرأة، كما يشكل رئيس الجمهورية لجنة عليا لاختيار أعضاء مجلس الشعب، الذي تبلغ مدة ولايته ثلاثين شهراً قابلة للتجديد. بالاضافة إلى ذلك، فإن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، ويعيّن الوزراء، ويعفيهم من مناصبهم، ويقبل استقالتهم، كما يمنح العفو الخاص، ويرد الاعتبار، ويمثل الدولة في التوقيع النهائي على المعاهدات مع الدول والمنظمات الدولية.
تجريم الإنكار والتمجيد
وفقاً للاعلان الدستوري، يعد إنكار جرائم الأسد أو الاشادة بها أو تبريرها أو التهوين منها جرائم يعاقب عليها القانون. كما تجرم الدولة السورية دعوات التقسيم والانفصال، وطلب التدخل الأجنبي أو الاستقواء بالخارج. وينص الاعلان أيضاً على إنشاء هيئة لتحقيق العدالة الانتقالية، تهدف إلى تحديد سبل المساءلة وإنصاف الضحايا والناجين، مع التزام الدولة بمكافحة جميع أشكال التطرف العنيف، مع احترام الحقوق والحريات. كما ينص على أن الدولة وحدها تملك الحق في إنشاء الجيش، ويحظر على أي فرد أو هيئة أو جهة أو جماعة إنشاء تشكيلات أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية. كما تضمن الدولة حق المشاركة السياسية، وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية وفقاً لقانون جديد.
رفض “مجلس سوريا الديموقراطية” (مسد)
رفض “مجلس سوريا الديموقراطية” (مسد) الاعلان الدستوري، معتبراً أنه يضم بنوداً تتبع “نمطاً تقليدياً” مشابهاً للمعايير التي تتبعها حكومة البعث. وأضاف البيان الصادر عن المجلس أن “هذا الإجراء يتنافى مع حقيقة سوريا وحالة التنوع الموجودة فيها”، مشيراً إلى أن الاعلان “يُعد تزويراً لهوية سوريا الوطنية والمجتمعية”.
ولفت المجلس إلى أن “سوريا اليوم تحتاج إلى تكاتف أبنائها ووحدتهم حول تقرير مستقبلهم الديموقراطي والمشاركة الوطنية السورية التي تعزز الشراكة في الوطن”. كما أكد أن “الاعلان الدستوري يفتقر إلى مقاييس التنوع الوطني السوري، ويخلو من حالة المشاركة الفعلية لمكونات سوريا الوطنية، ويعبر عن العقلية الفردية التي تعد امتداداً للحالة السابقة التي انتفض الشعب ضدها”. واعتبر أن “الاعلان الدستوري هو بمثابة شكل وإطار يقوّض جهود تحقيق الديموقراطية الحقيقية في سوريا”.
تصريحات رسمية حول الاعلان
في تصريح لموقع “لبنان الكبير”، قال مصدر في اللجنة الدستورية: “أخذنا في الاعتبار دستور عام 1950 وكذلك قانون العقوبات لعام 1949، ومحددات مؤتمر نصر وما نتج عنها، بالاضافة إلى المطالبات الشعبية التي نادت بتجريم كل من تسوّل له نفسه إنكار جرائم الأسد أو تهوينها أو تبريرها، لأنها تمس جرح كل سوري”.
وأضاف المصدر: “الاعلان الدستوري يبقى مؤقتاً، وهو نظام للفترة الانتقالية وليس دائماً، وهذا ما يجب فهمه”. وشدد على أن “ضرورة المرحلة تتطلب وجود تماسك ومركزية في الدولة لفرض الأمن والاستقرار، والبدء بمعالجة القضايا الكبرى”.
أما آرام الدوماني، أمين سر التحالف السوري الوطني، فقال لموقع “لبنان الكبير”: “الاعلان الدستوري جاء ليكون ناظماً للفترة المؤقتة، وهناك بعض المواد التي أعتقد أن الظروف الحالية لسوريا فرضتها”، مضيفاً: “نحن كأحزاب سياسية سنسعى الى العمل وفقاً لبرامجنا السياسية والتنموية، وسنبدأ بالاستعداد للانتخابات البرلمانية القادمة. كما ننتظر الآن قانون الأحزاب، وسنسعى الى العمل بشكل قانوني، إذ يهمنا أن تُصان الحريات، وحرية العمل السياسي، وحرية التعبير”.


