على مدى عقود، اعتمد أبناء الطائفة السنية في بيروت على التجارة والمهن الحرة كخيار اقتصادي أساسي، مبتعدين إلى حد كبير عن العمل في مؤسسات الدولة، سواء في الادارة أو السلك العسكري. هذا التوجّه، على الرغم من نجاحه في مراحل معينة، أدّى مع مرور الوقت إلى تراجع تمثيل أبناء الطائفة في بيروت ضمن هيكلية الدولة، ما دفع بعض أبنائها إلى تبني خطاب المظلومية كتبرير لهذا التراجع. غير أنّ هذا المنطق لا يعكس حقيقة الأمور، إذ لم يكن هناك إقصاء متعمّد، بل كان خياراً جماعياً بالابتعاد عن الوظائف العامة، وهو ما يستوجب اليوم إعادة النظر فيه عبر اتخاذ قرار جريء بالاندماج الفعلي للعمل في مؤسسات الدولة والانضمام إلى هيكلها الوظيفي.
تاريخياً ومنذ العهد العثماني، لم يكن لدى أبناء بيروت من الطائفة السنية اهتمام كبير بالانخراط في الأسلاك العسكرية، مع اعتمادهم على الجيش العثماني، وتوجيه اهتمامهم الى التجارة على عكس بعض الطوائف الأخرى التي وجدت في هذه المجالات وسيلة لتعزيز نفوذها، ما جعل المدينة مركزاً اقتصادياً نشطاً. استمر هذا النهج خلال الانتداب الفرنسي وبعد الاستقلال، حيث واصل أبناء الطائفة التركيز على القطاع الخاص، معتمدين على شبكة علاقات تجارية واسعة عزّزت حضورهم الاقتصادي.
لكن مع تطور النظام السياسي والاقتصادي اللبناني، خصوصاً في فترة ما بعد اتفاق الطائف، أصبحت الدولة اللاعب الأساسي في توزيع الفرص والنفوذ، وأصبح لمن يعملون داخلها قدرة على التأثير في القرارات وصياغة السياسات. في المقابل، وجد أبناء الطائفة السنية أنفسهم في موقع المتلقّي للقرارات، بدلاً من المشاركة في صناعتها، وهو ما فُسّر لاحقاً على أنه تهميش، على الرغم من أنه نتيجة طبيعية لاختيارات تاريخية.
وهنا لا بد من الاشارة الى أن قطاع الأعمال لطالما كان مصدر قوّة للطائفة السنية، لكنه لم يعد كافياً لضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فمع تراجع الاقتصاد اللبناني، وتزايد الأزمات المالية، لم يعد النشاط التجاري وحده يوفر الحماية المطلوبة للأفراد، خصوصاً في ظل غياب دعم مؤسسي من الدولة. هذا الوضع خلق حالة من عدم التوازن، بحيث أصبحت الطوائف الأخرى أكثر حضوراً في المؤسسات الرسمية، في حين بقي أبناء الطائفة السنية خارج هذه الدائرة، ما انعكس سلباً على مستوى تمثيلهم في الادارات العامة والأجهزة الأمنية.
إنّ الانخراط في مؤسسات الدولة لا يعني التخلّي عن روح المبادرة الاقتصادية، بل هو خطوة تكاملية تضمن للطائفة حضوراً مؤثّراً في صنع القرار، إلى جانب استمرارها في القطاع الخاص. فالدول الحديثة لا تقوم على رجال الأعمال وحسب، بل تحتاج إلى إداريين، قانونيين، ديبلوماسيين، وضباط في الجيش والأمن لضمان توازنها الداخلي.
إن ضعف التمثيل السني في مؤسسات الدولة أدّى إلى نتائج خطيرة، أبرزها:
- غياب التأثير في صناعة القرار: الدولة تدار من خلال مؤسساتها، ومن لا يشارك فيها يفقد القدرة على توجيه السياسات أو الدفاع عن مصالحه.
- انعدام الاستقرار الوظيفي: بينما توفّر الوظائف العامة استقراراً طويل الأمد، فإنّ الاعتماد على التجارة والمهن الحرة يجعل الأفراد أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية.
- زيادة الشعور بالتهميش: على الرغم من أنّ التهميش لم يكن نتيجة سياسة ممنهجة، إلا أنّ قلّة التواجد في المؤسسات الرسمية عزّزت هذا الشعور بين أبناء الطائفة.
مما لا يترك مجالاً للشك فإنّه لا يمكن التعويل على العمل الأهلي وحده لتحسين أوضاع الطائفة، إذ يبقى الدور الأساسي للدولة في تأمين فرص العمل، والاستقرار، والتنمية. لذا، فإنّ إعادة التوجه نحو الوظائف العامة يجب أن يكون أولوية في المرحلة القادمة.
أمام هذه التحديات، لا بد من اتخاذ قرار تاريخي يعيد أبناء الطائفة السنية إلى قلب مؤسسات الدولة، عبر:
- تشجيع الشباب على دخول الوظائف العامة: يجب أن يصبح العمل في الدولة خياراً استراتيجياً، وليس مجرد بديل عند فشل الخيارات الأخرى.
- تعزيز الحضور في السلك العسكري والأمني: منذ العهد العثماني، كان هناك عزوف عن الانخراط في الجيش، وهو ما أدى إلى غياب الحضور الفعّال للطائفة في هذا المجال. لا بد من تغيير هذا الواقع لضمان التوازن الوطني.
- دعم الكفاءات للدخول في الادارة والديبلوماسية: تحتاج الدولة إلى إداريين وديبلوماسيين من جميع الطوائف، والمشاركة في هذه المجالات تعزز الدور السياسي للطائفة.
إن استمرار التمسك بشعار المظلومية لن يؤدي إلى أي نتائج إيجابية، بل سيزيد مما يسمّيه أبناء بيروت من الطائفة السنية تهميشاً لهم داخل لبنان. لقد آن الأوان لتغيير هذا الواقع عبر العودة إلى الدولة والانخراط في وظائفها ومؤسساتها، لضمان دور فاعل وحقيقي في صنع القرار. فالتاريخ لا يصنعه من يقفون على الهامش، بل من يشاركون بفاعلية في بناء المستقبل.


