تزايد الاصابة بحالات باركنسون في لبنان… ما علاقة التلوث البيئي؟

تالا الحريري

تعتبر مستويات التلوث مرتفعة في لبنان، إن كان تلوث الهواء أو المياه أو التربة. وتشير الدراسات إلى أن تلوث الهواء في المدن الكبرى يزداد بصورة كبيرة نتيجة الانبعاثات الناتجة عن حركة المرور والصناعات. بالاضافة إلى ذلك، تعتبر النفايات الصلبة مشكلة متزايدة، بحيث يتم التخلص منها بطرق غير صحية، ما يؤدي إلى تلوث التربة والمياه الجوفية. وتفيد الأبحاث بوجود علاقة بين التلوث البيئي وزيادة خطر الاصابة بمرض باركنسون. فالمواد الكيميائية السامة مثل المبيدات الحشرية والمعادن الثقيلة، الموجودة في البيئة الملوثة، قد تساهم في تلف الخلايا العصبية.

كما تظهر الاحصائيات أن مرض باركنسون يزداد بصورة ملحوظة في لبنان، ويعتبر من الأمراض التي تحتاج إلى مزيد من الوعي والدعم. اذ تشير التقديرات إلى أن نسبة انتشار المرض في المجتمع اللبناني تتراوح بين 1-2% من السكان فوق سن الخمسين. ومع ذلك، قد تكون الأرقام الفعلية أعلى نظراً الى عدم وجود دراسات شاملة حول انتشار المرض.

الأخصائي في جراحة الأعصاب والدماغ الدكتور رفيق حيدر أوضح لـ “لبنان الكبير” أنّ “مرض باركنسون، أو ما يعرف باضطراب باركنسون، هو حالة عصبية مزمنة تؤثر بصورة كبيرة على حركة الجسم. ويحدث هذا المرض نتيجة لتلف خلايا الدماغ المسؤولة عن إنتاج مادة الدوبامين، وهو ناقل عصبي أساسي يلعب دوراً حيوياً في التحكم بحركات الجسم”.

تشمل الأعراض الرئيسية لمرض باركنسون الرعشة، التي تتمثل في اهتزازات لاإرادية في اليدين أو الذراعين أو الساقين، والجمود العضلي، الذي يتسبب في تصلب العضلات ما يصعّب الحركة. بالاضافة إلى ذلك، يشعر المرضى ببطء في الحركة، الأمر الذي يؤثر على قدرتهم على أداء الأنشطة اليومية، كما يعانون من صعوبة في التوازن والمشي، ما قد يؤدي إلى مشكلات في التنسيق.

أما بالنسبة الى الأسباب المحتملة للإصابة بمرض باركنسون، فأكد حيدر أنّها “لا تزال غير معروفة بدقة، ولكن هناك عدة عوامل قد تسهم في حدوثه، ومن أبرزها العوامل الوراثية، اذ إن بعض العائلات قد يكون لديه تاريخ وراثي للمرض، ما يزيد من خطر الاصابة. كما تزداد فرص الاصابة مع تقدم العمر، فمعظم الحالات يحدث بعد سن الستين. إضافةً إلى ذلك، يمكن أن يسهم التعرض للمواد الكيميائية، مثل المبيدات الحشرية أو السموم البيئية، في حدوث المرض. ويمكن أن تؤدي مشكلات أو اضطرابات في خلايا الدماغ، مثل الجلطات الدماغية، إلى موت خلايا الدماغ المنتجة للدوبامين”.

ويشير بعض الدراسات إلى وجود صلة محتملة بين التلوث البيئي وزيادة حالات مرض باركنسون، خصوصاً في المناطق التي تشهد مستويات عالية من التلوث الصناعي والزراعي. فالتلوث الناجم عن المواد الكيميائية السامة، مثل المبيدات الحشرية والمركبات العضوية المتطايرة، يمكن أن يسبب تلف الخلايا العصبية، ما قد يسهم في زيادة حالات المرض، بحسب حيدر، الذي ذكر بدراسة نُشرت في مجلة Environmental Health Perspective ودراسة أخرى أُجراها المعهد الوطني للسرطان (National Cancer Institute) في الولايات المتحدة، ودراسة ثالثة نُشرت في The Lancet Neurology.

وأشار حيدر إلى أنّ “نسبة الاصابة بمرض باركنسون تزداد بين كبار السن، بحيث أن الغالبية العظمى من المصابين تتجاوز سن الستين. وقد أظهر بعض الدراسات أن الرجال أكثر عرضة للإصابة من النساء. كما أن العائلات التي لديها تاريخ وراثي للمرض قد تشهد زيادة في حالات الاصابة. أما بالنسبة الى الأشخاص الذين يتعرضون للمواد الكيميائية السامة، مثل المبيدات الحشرية أو المعادن الثقيلة، فقد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالمرض”.

وعن الأدوية والعلاجات اللازمة لمرض باركنسون، لفت حيدر الى أنّها “متاحة في لبنان، لكنها قد تكون باهظة الثمن في بعض الأحيان. الأدوية مثل الليفودوبا ومثبطات MAO-B متوافرة في السوق المحلية، ولكن في حالات الجراحة المتقدمة، مثل تحفيز الدماغ العميق، قد تواجه المستشفيات تحديات في توفير هذه الخدمة بسبب الأجهزة المطلوبة وكلفة البطارية، خصوصاً بعد الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد. وبالتالي، يواجه بعض المرضى صعوبة في الوصول إلى التخصصات الطبية المتقدمة، ما يعزز الحاجة إلى تحسين التوعية والرعاية الصحية في هذا المجال”.

ويُعتبر دواء الليفودوبا (Levodopa) الأكثر استخداماً لزيادة مستويات الدوبامين في الدماغ. كما تُستخدم مثبطات MAO-B مثل السلسلاجيل ورزاجيلين لتقليل تكسير الدوبامين. هناك أيضاً أدوية مضادة للكولين تساعد في تقليل الرعشة، وأدوية تحاكي الدوبامين مثل بروموكربتين وبراميبيكسول. في الحالات المتقدمة، يمكن اللجوء إلى الجراحة، مثل تحفيز الدماغ العميق (DBS)، التي تهدف إلى تحسين الأعراض لدى بعض المرضى. كما يمكن أن تساهم التمارين الرياضية والعلاج الطبيعي في تحسين الحركة والمرونة.، بحسب حيدر.

ونبّه على أنّ “مرض باركنسون يُعتبر مشكلة صحية متزايدة في لبنان، حيث يرتفع متوسط العمر المتوقع ووجود عوامل بيئية قد تسهم في زيادة عدد الحالات”، لافتاً الى أنه على الرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة وشاملة، تشير التقارير إلى زيادة في عدد الحالات، خصوصاً في المناطق المتأثرة بالتلوث البيئي. كما أن نقص التوعية والموارد الطبية يجعل من الصعب تشخيص المرض في مراحله المبكرة.

شارك المقال