سلط مقال في موقع معهد “روبرت لايسينغ” الضوء على حدود الشراكة الاستراتيجية بين روسيا وإيران، بحيث “ترفض موسكو تقديم ضمانات عسكرية لطهران في حال تعرضها لهجوم خارجي، على الرغم من توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية عام 2021”.
ويعود هذا الموقف حسب المقال “إلى رغبة روسيا في تجنّب التورط في صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة، خصوصاً في ظل انشغالها بحرب أوكرانيا وسعيها الى الحفاظ على علاقات متوازنة مع دول أخرى. هذا التردد يضعف مصداقية روسيا كشريك أمني ويعكس نمط تحالفات أحادية الجانب، ما قد يدفع إيران ودولاً أخرى نحو شركاء بديلين مثل الصين أو الناتو. وفي الوقت الذي قد يستمر فيه التعاون التكتيكي بين موسكو وطهران، فإن غياب الالتزام الدفاعي المتبادل يقوّض عمق هذا التحالف ويُضعف مكانة روسيا كفاعل موثوق في النظام الدولي.
وعلى الرغم من تعمّق التعاون بين روسيا وإيران في السنوات الأخيرة، لا سيما في مجالات التبادل العسكري-التقني والمواقف المشتركة ضد النفوذ الغربي، أوضح الكرملين أنه غير ملزم بتقديم دعم عسكري لإيران في حال تعرضها لهجوم خارجي، في موقف يعكس نهجاً روسياً حذراً في تحقيق توازن دقيق، ويثير تساؤلات بشأن مصداقية التزامات موسكو الاستراتيجية، وهشاشة الثقة الثنائية، وحدود طموحاتها كقوة عظمى.
وتفضّل روسيا في الغالب الاتفاقيات الثنائية ذات الطابع غير الملزم أو الغامض، إذ تخلو شراكتها مع إيران من أي بند دفاعي مشترك على غرار المادة الخامسة لحلف الناتو، ما يمنح الكرملين أقصى قدر من المرونة لتجنب التورط في صراعات لا تصب في مصالحه الجوهرية.
كما أن روسيا مثقلة عسكرياً بفعل حربها الجارية في أوكرانيا والتزاماتها الخارجية الأخرى، وبالتالي فإن أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل دفاعاً عن إيران قد تكون كارثية استراتيجياً، وتفتح جبهة لا تحتملها موسكو. وعلى الرغم من التوترات، تحافظ روسيا على علاقة حساسة لكنها فعالة مع إسرائيل، خصوصاً في ما يتعلق بتنسيق الأجواء فوق سوريا. فإنخراط عسكري كامل إلى جانب إيران قد يقوّض هذا التوازن ويهدد علاقاتها الحيوية مع شركاء الخليج الذين تتعاون معهم موسكو في إطار أوبك+ والديبلوماسية الطاقوية الأوسع.
ويمكن تلخيص التداعيات على سمعة روسيا كشريك أمني كالتالي:
تآكل الثقة: رفض روسيا تقديم دعم عسكري ملموس لإيران يهدد صورتها كشريك استراتيجي موثوق، خصوصاً لدى الدول التي تواجه ضغوطاً عسكرية من الغرب.
نمط التحالفات أحادية الجانب: قد تفسّر دول مثل أرمينيا وصربيا وجمهوريات آسيا الوسطى هذا الموقف كتحذير بأن حتى التحالفات الوثيقة لا تضمن الحماية. وهذا قد يدفعها الى البحث عن بدائل أمنية أخرى مثل الصين أو تركيا أو حتى الناتو.
ضرر للمبادرات متعددة الأطراف: قد تعيد إيران النظر في مشاركتها مع روسيا ضمن منظمات متعددة مثل منظمة شنغهاي للتعاون وبريكس، ما يضعف جاذبية موسكو كمحور لنظام دولي بديل.
تصاعد عدم التوازن: يبدو أن العلاقة بين موسكو وطهران باتت غير متكافئة فإيران تقدم طائرات مسيّرة وتقنيات عسكرية لصالح روسيا في أوكرانيا، بينما لا تحصل في المقابل على ضمانات أمنية حقيقية، ما يغذي مشاعر الامتعاض وقد يحد من التعاون الايراني على المدى الطويل.
إعادة ضبط استراتيجية طهران: قد تسعى إيران الى تنويع شراكاتها، من خلال تعزيز علاقاتها مع الصين أو تسريع تطوير قدراتها العسكرية الذاتية.
شراكة تكتيكية بلا عمق استراتيجي: من المرجّح أن تستمر روسيا وإيران كشريكين تكتيكيين في سوريا أو بمواجهة العقوبات، لكن من الصعب بناء تحالف استراتيجي فعلي في غياب التزامات دفاعية متبادلة.
تداعيات أوسع على ديبلوماسية روسيا العالمية
تراجع القوة الناعمة في الجنوب العالمي: كثير من دول الجنوب يرى في روسيا قوة موازنة للهيمنة الغربية. لكن إن ظهرت روسيا كطرف غير ملتزم بدعم حلفائها فعلياً، قد تتآكل هذه الصورة.
فجوة في مصداقية الضمانات الأمنية: إذا لم تشمل الشراكات الاستراتيجية الروسية التزامات واضحة أو خطط استجابة، فقد تميل الدول المهددة أمنياً نحو مظلات أمنية أخرى كالصين أو الغرب. موقف موسكو من إيران يفضح حدود قوتها وقدرتها على الإقناع.
عواقب طويلة الأمد: وفي حين قد تخدم البراغماتية الروسية مصالح آنية، فإنها تُضعف الثقة الديبلوماسية وتقلل من نفوذ موسكو بين الحلفاء المحتاجين الى الحماية، وتكرّس صورتها كقوة انتقائية تخدم مصالحها الذاتية أكثر من كونها فاعلاً عالمياً يعتمد عليه”.


