يتكتّم المعنيّون حول وضع سجناء القبّة الذين لا يُعانون من الاكتظاظ الذي يُحمّلهم فوق طاقتهم فحسب، بل من الأمراض التي باتت تفتك بأجسادهم وأدّت إلى وفاة السجين ميلاد مهبل الذي رحل منذ أيّام بعد إصابته بفيروس “H1N1” تاركاً غصّة كبيرة في قلب عائلته.
وبغياب التدخّل الطبّي المطلوب في السجن (الذي نفذ سجناؤه أكثر من تمرّد اتهموا فيه الأمنيين بتعذيبهم)، وفي ظلّ رغبة بعض المعنيين بإطفاء “صوت” السجين عبر إجرائه اتصالات مكثّفة بالصحافيين والاعلاميين المواكبين للصرخة الإنسانية المدوّية والمستمرّة منذ أعوام، لكي لا ينشروا حقيقة ما يحدث في السجون بالصوت والصورة، يُضيف الحقوقيّون حالة ميلاد المرضية إلى سجلٍ حافل يتضمّن أسماء “انحفرت” في ذاكرةٍ لا تنسى هذه الجدران المليئة بالهموم والشاهدة على أمراض واجهها السجن وأدّت إلى وفاة حوالي 29 شخصاً في سجون لبنان خلال سنة واحدة (بيْن عاميّ 2022-2023).
سجن القبّة الذي يتضمّن زنزانات تُكدّس البشر والقهر، واجه أكثر الفيروسات خطورة على الرّغم من ضيق مساحته وسعته، فبعد انتشار وباء كورونا الذي دفع السجناء في العام 2020 إلى إضرام النّار بفراشهم لمطالبتهم بالعفو العام عنهم في ظلّ الجائحة (التي لم تكن تُرعبهم بقدر توجسّهم من الدّولة التي لم تنظر إلى حالهم يوماً)، واجه أيضاً فيروسات وأوبئة مختلفة كالكوليرا والتيفوئيد، وينتشر فيه حالياً فيروس الـ “H1N1” الذي تسبّب في وفاة الرجل الستينيّ.
ويُعاتب المتابعون الحقوقيّون وزارتي الدّاخلية والعدل على التقصير الفادح بحقّ سجن مكتظ بوجود 900 سجين، مع أنّه لا يتسع إلّا لـ 400، وهو الوضع عيْنه الذي يُعانيه سجن رومية الذي يستوعب 1050 وفيه 4 آلاف سجين.
المحامي محمّد صبلوح الذي يُتابع ملف السجون، يُؤكّد في حديثٍ لـ “لبنان الكبير” أنّ العزل بعد نقل السجناء إلى المستشفى الحكومي (في القبّة)، يُمكن أنْ يكون حلاً إيجابياً في ظلّ انتشار الفيروس بيْن السجناء، لكنّ هذه الخطوة لم تحدث بعد “ولقد حذّرت من انتشار الفيروس منذ أكثر من 10 أيّام، لكن لم يتجاوب مع ندائي أحد، كما نبّهنا على ضرورة عزل كبار السنّ عن غيرهم حماية لمناعتهم الضعيفة”.
أمّا عن السجين ميلاد، فإنّه بقي لأربع سنوات بلا محاكمة بعد اتهامه بارتكاب جريمة قتل، فمات في السجن مع العلم أنّ عائلته كانت طالبت بنقله إلى المستشفى، ووفق صبلوح فإنّه نُقل فعلاً وهو يُصارع الموت.
ويرى صبلوح أنّ الأزمة في سجن القبّة كما غيره من السجون اللبنانية، تكمن في مشكلتيْن إحداهما قضائية وأخرى أمنية، تعوقان حماية السجناء ومعاملتهم بطريقةٍ “آدمية” وتفتحان المجال أمام تمرّد جديد. ويقول: “صحيح أنّنا لا نغفل عن صعوبة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في السجن (ومنها ما يرتبط بالغلاء الفاحش)، ولكن لا بدّ لنا من المطالبة بتسريع المحاكمات وتفعيلها، تخفيض السنة السجنية إلى ستة أشهر مع تحديد الاعدام والمؤبّد، واتخاذ تدابير بحقّ من أُخلي سبيلهم من اللبنانيين والسوريين، أيّ باختصار تطبيق أصول المحاكمات الجزائية، ما يُسهم في حلّ مشكلة الاكتظاظ تقديراً للقدرة الاستيعابية من جهة، ويفتح المجال أمام ترميم السجون وتأهيلها من جهة ثانية، أمّا من حيث المبدأ الذي لا يُمكن الاستغناء عنه، وبموجب القانون، فعلى الأمنيين (وزير الدّاخلية) زيارة السجون، وعلى قاضي التحقيق زيارة السجن كلّ شهر، ونحن ندعوهم إلى إجراء هذه الزيارة، قضاء يوم مع السجناء والتحدّث معهم عن أحوالهم وواقعهم المرير (ويُعدّ سجن النّساء أقل صعوبة بسبب دعم الجمعيات أو المنظمات النّسائية لهنّ)”.


