تؤثر أزمة المناخ بصورة مباشرة على التراث الثقافي في الشرق الأوسط، ومن المرجح أن تستمر هذه التأثيرات في تهديد المعالم والمواقع التاريخية على مدى العقود المقبلة.
وأظهرت دراستان حديثتان أعدهما علماء آثار تزايد الوعي بهذه القضية، لا سيما في ما يتعلق بتأثير الفيضانات الساحلية وفيضانات الأنهار الداخلية على مواقع التراث الثقافي، حسب ما نقل موقع “Jordan Times” عن البروفيسور بنيامين بورتر من جامعة بيركلي.
ووفقاً للبروفيسور شدد الباحثون في هذا الصدد على ضرورة العمل مع مختلف فئات الجمهور، بدءاً من صانعي السياسات الحكومية ووصولاً إلى حماة المجتمع المحلي والمعنيين بالتراث، للتخفيف من حدة هذه الأزمة المتنامية.
وأشار إلى أن “جميع هذه الدراسات تقريباً تستند إلى حالات في ما يُعرف بالعالم المتقدم مثل أميركا الشمالية وأوروبا واليابان وأستراليا واللافت أن أياً منها لا يتناول الشرق الأوسط”.
وتابع: “كيف يمكن إذاً التفكير بممارسة علم الآثار في الشرق الأوسط في ظل أزمة المناخ الاقليمية؟ بدلاً من اعتماد منهجية الحفظ والحماية التقليدية التي اعتادها هذا المجال، يجب إعادة النظر جذرياً في الأسس التي يقوم عليها”.
وأوضح بورتر أن علم الآثار في الشرق الأوسط خلال القرنين التاسع عشر والعشرين كان متأثراً بصورة مباشرة بالباحثين الأوروبيين، الذين ارتبطت أعمالهم بالإمبريالية والاستعمار الأوروبي.
ومنذ الحرب العالمية الثانية، ظل علم الآثار يستفيد من الاهتمام الأوروبي والأميركي، وحالياً الآسيوي الشرقي بالموارد الكربونية الموجودة في الشرق الأوسط. ولا يزال النقاد يصفون علم الآثار في المنطقة بأنه مشروع استعماري جديد يخدم مصالح البحث الغربي تحت ستار “الإنقاذ الأخلاقي” للتراث الثقافي العالمي، حسبما أشار.
وعلى الرغم من أن هذه الانتقادات ليست منصفة بالكامل، بيّن البروفيسور أن بعضاً من أهم مساهمات علم الآثار للدول المضيفة تمثل في اكتشاف معالم أساسية تُبنى عليها الهويات الثقافية الوطنية والمقاصد السياحية وتوثيقها.
وقال بورتر: “حتى وإن نظرنا إلى هذه المساهمات بإيجابية، فإنها تذكرنا بأن علم الآثار في الشرق الأوسط لم يكن يوماً حيادياً أو منفصلاً عن السياسات المحلية والوطنية”.
وأضاف: “استدعاء الإرث التاريخي لعلم الآثار أثناء مناقشة أزمة المناخ أمر ضروري، إذ يضع الممارسة الأثرية – بغض النظر عن نوايا ممارسيها – ضمن نظامٍ شمولي أثبت سابقاً أنه يضر بالمجتمعات المحلية في الشرق الأوسط”.
وأكد أن الممارسة الأثرية قد تُنتج تفاوتات غير مرئية حتى مع وجود نوايا حسنة لدى الباحثين. فعلى سبيل المثال، غالباً ما لا تجني المجتمعات المحلية المجاورة للمواقع الأثرية سوى القليل من الفوائد، والتي تقتصر على فرص العمل الموسمية أو دعم بعض الأنشطة التجارية الصغيرة، على الرغم من مشاركتها في عمليات البحث وتفسير الموقع.
وأشار إلى أن بعض المشاريع الأثرية أدى إلى تهجير جماعات سكانية بأكملها كما في مواقع أم قيس والبتراء شمال الأردن وجنوبه.
وأوضح بورتر أن الوعي المتزايد بهذه الآثار السلبية دفع العديد من علماء الآثار إلى تبني مقاربات أخلاقية جديدة، ترتكز على ما يُعرف بـ”علم الآثار المجتمعي”، الذي يعتبر المجتمعات المحلية شركاء في توثيق التراث الثقافي وتفسيره. وأضاف أن هذه البرامج التشاركية أصبحت شائعة في الممارسات الأثرية حول العالم، خصوصاً في أميركا الشمالية وأستراليا، حيث يعمل علماء الآثار مع مجتمعات السكان الأصليين لتحقيق أهداف مشتركة.
وعلى مدى العقدين الماضيين، حاول علماء الآثار في الشرق الأوسط اعتماد هذا النموذج لعكس الإرث الاستعماري والإمبريالي للمجال، إلا أن التطبيق ظل محدوداً، ولم تبرز سوى حفنة قليلة من المشاريع المجتمعية. وأكد البروفيسور أن هذا التقييم المختصر لمفهوم علم الآثار المجتمعي في الشرق الأوسط بالغ الأهمية، إذ إن المجتمعات الريفية والضواحي المحيطة بالمواقع الأثرية ستكون من بين الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية.
ولفت إلى أن “هذه المجتمعات الريفية، التي توفر جزءاً كبيراً من الإمدادات الغذائية في المنطقة، ستعاني من ظروف مناخية أكثر دفئاً، وفصول شتاء غير منتظمة، وزيادة في تآكل التربة الزراعية القيّمة”. وشدد في الختام على أن “المشاريع الأثرية، سواء أكانت تشاركية أم لا، تظل معتمدة على المجتمعات المحلية وخدماتها الأساسية، وهذا يستدعي تعزيز الشراكة الحقيقية لضمان الاستدامة والعدالة في ممارسات الحفظ والبحث الأثري”.


