للمرة الأولى منذ نشوء الدولة السورية الحديثة قبل نحو قرن، تدخل كوريا الجنوبية رسمياً على خط العلاقات الديبلوماسية مع دمشق، في خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الطابع البروتوكولي. هذا التحول التاريخي لا يعكس فقط تقارباً سياسياً بين دولتين ظلّتا على طرفي نقيض من خريطة العلاقات الدولية، بل يشكّل أيضاً مؤشراً على تغير في ميزان الاصطفافات في الشرق الأوسط، حيث تعيد قوى آسيوية مثل كوريا الجنوبية رسم خرائط نفوذها بطريقة هادئة ولكن محسوبة.
يأتي هذا التطور في لحظة حساسة تمرّ بها سوريا، بعد سنوات من العزلة الدولية والحرب، ومع دخولها مرحلة جديدة من الانفتاح الحذر، لتجد في كوريا الجنوبية شريكاً غير تقليدي يحمل معه خبرات تنموية وتجربة اقتصادية رائدة يُمكن البناء عليها.
هذا الحدث، الذي لم يشهد له تاريخ العلاقات السورية مثيلاً منذ الاستقلال، لم يكن وليد المصادفة، بل نتاج عمل ديبلوماسي طويل بدأ بعيداً عن الأضواء، وجرى نسجه بعناية في عواصم مثل الدوحة، ليُتوّج أخيراً في دمشق بتوقيع رسمي بين وزيرَي خارجية البلدين، منهياً عقوداً من القطيعة، ومرسّخاً توجهاً جديداً في السياسة الخارجية لسيول التي تشهد تحوّلاً استراتيجياً في تموضعها الآسيوي والدولي.
وبحسب مصدر مطّلع تحدّث حصرياً إلى موقع “لبنان الكبير”، فإن الاتفاق تم التوقيع عليه في دمشق بحضور وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو تاي يول، الذي وصل على رأس وفد رفيع إلى العاصمة السورية، حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني.
مبادرة غير تقليدية: من الدوحة إلى دمشق
بحسب المصدر ذاته، فإن الشرارة الأولى لهذه الخطوة جاءت من مبادرة ديبلوماسية غير رسمية انطلقت من الدوحة، قادها المهندس نصر أبو نبوت، السكرتير الأول السابق في السفارة السورية في قطر، بالتعاون مع المستشار جو، أحد الديبلوماسيين البارزين في السفارة الكورية في الدوحة.
بدأت التحضيرات بعد نحو أسبوع من سقوط نظام الأسد البائد، حين لاحظ الطرفان الكوري والسوري الحاجة الملحّة الى إعادة بناء علاقات سياسية طبيعية تتيح لسوريا الافادة من النموذج الكوري الجنوبي التنموي، وفي المقابل تمنح سيول موطئ قدم في واحدة من أكثر الساحات الاقليمية تعقيداً.
زيارات تمهيدية وتنسيق متواصل
في شباط الماضي، قام وفد كوري جنوبي بزيارة تمهيدية إلى دمشق، وُصفت بأنها “استطلاعية” و”تقنية” هدفت إلى فتح قنوات اتصال مباشرة مع وزارة الخارجية السورية والتأكد من الجهوزية السياسية والادارية لإطلاق علاقات رسمية.
هذه الزيارة، بحسب المصدر، كانت مكمّلة لتحركات سابقة قام بها المستشار جو، الذي ترأس وفداً صغيراً دخل سوريا عبر الدوحة، ما أتاح للكوريين قراءة المشهد السوري على الأرض، والتنسيق مع شخصيات رسمية من الصف الأول في الدولة.
وقد أفضى هذا الحراك إلى توقيع الاتفاقية، التي أعلن عنها رسمياً من دمشق، في ظل احتفال بروتوكولي استثنائي وصفه المصدر بـ”الراقي والمنظّم”، تخللته مرافقة وزير الخارجية السوري شخصياً لنظيره الكوري في موكبه الرسمي، وإجراءات أمنية مشددة تعكس الحساسية العالية للحدث وطابعه السياسي.
دوافع كورية: بين الفراغ الشمالي والفرص الجنوبية
رأى الدكتور أحمد النميري، الباحث في العلاقات السورية-الآسيوية، أن الدافع الرئيسي وراء التحول الكوري الجنوبي تجاه سوريا يتمثل في “غياب النفوذ الكوري الشمالي في البلاد، ووجود فراغ ديبلوماسي استراتيجي تسعى سيول الى ملئه”.
وأوضح في حديث لـ”لبنان الكبير” أن “كوريا الجنوبية لم تكن تقيم علاقات سوى مع كوبا وسوريا، والآن تبقّت كوبا فقط خارج خريطتها الديبلوماسية. هذا مؤشر على نية سيول الشاملة لبناء شبكة علاقات عالمية متوازنة، خصوصاً مع دول ذات موقع جغرافي حساس كموقع سوريا”.
كما أشار النميري إلى البعد الأمني الكامن وراء القرار، قائلاً إن “كوريا تنظر إلى أي حضور كوري شمالي محتمل في سوريا على أنه تهديد غير مباشر لأمنها القومي، لذلك فإن التواصل المباشر مع دمشق بات ضرورة سياسية وأمنية لها”.
في المقابل، ترى دمشق في هذا التقارب فرصة لفتح نوافذ تأثير جديدة على واشنطن، عبر الحليف الآسيوي الأبرز لها.
مكاسب اقتصادية محتملة.. وعين على مجلس الأمن
من الجهة الكورية، تأتي هذه الخطوة ضمن سياق اقتصادي أيضاً. فبحسب المصدر، ترى سيول في سوريا فرصاً واعدة في قطاعات مثل إعادة الإعمار، البنية التحتية، الاتصالات والنقل العام. كما تنظر إلى إمكان نقل خبراتها الصناعية والتقنية إلى السوق السوري في مرحلة لاحقة.
ولا تخفى الأبعاد السياسية للخطوة. فكوريا الجنوبية، التي تشغل حالياً مقعداً غير دائم في مجلس الأمن الدولي، عبّرت من خلال وزير خارجيتها عن “دعمها للاستقرار السياسي في سوريا”، في تصريحٍ اعتبره مراقبون رسالة ضمنية إلى العواصم الغربية، مفادها أن قرار سيول بإقامة علاقات مع دمشق مستقل عن التأثير الأميركي المباشر.
نظرة دمشق: رهانات على الريادة الكورية
من جانبها، تراهن القيادة السورية على الدور الكوري الجنوبي كحليف جديد في مرحلة إعادة التوازنات. وقال المصدر إن الوفد الكوري “حظي بمعاملة استثنائية وبروتوكول غير مسبوق”، تضمن تجهيز موكب رسمي وتأمين إقامة رفيعة المستوى في أحد القصور الحكومية.
وكانت كوريا قد اختارت الدخول إلى دمشق عبر بوابة بيروت، في دلالة على الحرص على إدارة التحرك الديبلوماسي بعناية فائقة، بعيداً عن الإعلام في بدايته، قبل الانتقال إلى المرحلة العلنية والتوقيع الرسمي.
ما بعد الاتفاق: زيارات ومشاريع في الأفق
بحسب المعلومات، فإن الاتفاق لن يكون مجرد وثيقة رمزية، بل سيتم تتويجه بزيارات متبادلة خلال الأسابيع المقبلة، تشمل وفوداً اقتصادية، تعليمية، وطبية. وقد بدأت فعلاً فرق تقنية كورية بدراسة ملفات تتعلّق بالبنى التحتية ومشاريع الطاقة، في وقت تسعى فيه دمشق الى جذب استثمارات حقيقية من شركاء خارج إطار التحالف التقليدي مع طهران وموسكو الذي نسجه النظام البائد.
كما أن هناك مباحثات أولية لتوقيع اتفاقيات في مجال التعليم والتكنولوجيا الحيوية، ضمن رؤية سورية لإحداث تحول نوعي في علاقاتها مع الدول الصناعية.
إقامة علاقات ديبلوماسية بين كوريا الجنوبية وسوريا ليست مجرد حدث بروتوكولي عابر. إنها لحظة مفصلية تعكس تبدلاً في أولويات سيول، وانفتاحاً سورياً على شركاء غير تقليديين في مرحلة ما بعد الحرب.
وسط شرق أوسط لا يزال يعيش تحت وطأة الانقسام، تدخل كوريا الجنوبية على الخط، ليس كلاعب اقتصادي طموح وحسب، بل كطرف ديبلوماسي يبحث عن دور في لعبة إعادة تشكيل المنطقة.


