في ظل التطورات المتسارعة إقليمياً ودولياً، تعود إيران والولايات المتحدة إلى طاولة الحوار بعد قطيعة دامت أربع سنوات. وبينما تحوم علامات استفهام حول احتمالات التوصل إلى اتفاق، تفتح الظروف الحالية، من تراجع النفوذ الاقليمي الايراني إلى الضغوط الاقتصادية الداخلية، نافذة نادرة لإعادة تشكيل العلاقة بين الطرفين، وربما التفكير بما كان يُعد حتى وقت قريب غير قابل للتصوّر.
ووفقاً لقراءة في معهد الشرق الأوسط، “ليس من المستغرب أن تُقابل كل من إيران والولايات المتحدة أول تواصل ديبلوماسي بينهما منذ أربع سنوات بالحذر والتشكيك، خصوصاً بعد مرور أكثر من أربعين عاماً من العداء المتبادل. وبدأت الأطراف محادثاتها بنبرة تصعيدية مألوفة؛ إذ صرّح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالاستعداد للرد بقوة ضد أي عدوان. من جانبها، أطلقت واشنطن تصريحات مماثلة بالحدة، حيث لوح الرئيس دونالد ترامب بضربات جوية في حال عدم التوصل الى اتفاق.
وعلى الرغم من وجود أسباب وجيهة للتشكيك في احتمالية توصل المفاوضات إلى اتفاق، من الخطأ الافتراض بأن ظروف عام 2025 تُشبه تلك التي أحاطت بتوقيع خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015؛ إذ كانت إيران تملك حينها أوراق ضغط أكثر بكثير مما تملكه اليوم. ومن المغري الاعتقاد بأن إيران، كما فعلت سابقاً، تستخدم المحادثات للمماطلة، لكن هذا الرأي لا يُدرك أن عامل الوقت الآن ليس في صالح طهران. كما أنه يُغفل حقيقة أن المتغيرات الاقليمية والدولية تخلق دافعاً حقيقياً لدى إيران للتقدم نحو اتفاق، إذا كانت واشنطن جادة وواقعية في نهجها التفاوضي.
المتغيرات الاقليمية والدولية
ما الذي تغيّر خلال العقد الماضي ليؤثر على حسابات إيران التفاوضية؟ لقد تغيّر الاقليم نفسه. فبعد هجوم 7 أكتوبر 2023، لم يعد بوسع إيران الاعتماد على شبكة الميليشيات والتحالفات التي كوّنتها كرادع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل في حال فشل المحادثات. تراجعت مكانة حماس وحزب الله وفقدت سوريا كحليف فعّال، وهي مكونات رئيسية في ما يُعرف بمحور المقاومة، وكلها عوامل ساهمت في تقويض ما اعتبرته إيران مظلة أمان. بل إن هذه الشبكات تحوّلت إلى عبء عليها، إذ تُحمّلها واشنطن وتل أبيب مسؤولية أعمالها.
وبسبب هذه الهشاشة، ترى طهران أن فشل المحادثات قد يدفع إسرائيل، بدعم أميركي، إلى شن ضربات على مواقع عسكرية ونووية إيرانية، خصوصاً بعد تجاوز الخط الأحمر المتمثل في تبادل الضربات المباشرة بين إيران وإسرائيل عام 2024 وهو ما لم يعد احتمالاً نظرياً.
ولا ينبغي النظر إلى المحادثات النووية مع الولايات المتحدة بمعزل عن المسار الديبلوماسي الإيراني الأوسع. ويبدو أن إيران، بعد انهيار سياسة الردع، تحاول البناء على ما حققته من تقارب مع خصومها الاقليميين. أما على المستوى العالمي، فإن انتهاء مفعول آلية “العودة التلقائية للعقوبات” في اتفاق 2015 بحلول أكتوبر، يمنح إيران حافزاً إضافياً للإسراع في التفاوض بنية حسنة. كذلك، فإن احتمالية تحسّن العلاقات بين موسكو وواشنطن قد تُقلق طهران، إذ قد تُفسر ذلك بأنه فقدان للرافعة الروسية. ومن غير المستبعد أن تلعب روسيا دور الوسيط إذا تعثرت المفاوضات، وهو دور قد يرحب به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
أما الصين، فعلى الرغم من تشاركها مع إيران الرغبة في مواجهة النفوذ الأميركي، تُولي أهمية كبيرة للاستقرار في الشرق الأوسط. وتُدرك طهران أن العودة الى دور المخرّب الاقليمي عبر تفعيل الميليشيات قد تُعرّض علاقاتها ببكين للخطر.
الوضع الداخلي المتدهور
الاعتبارات المحلية قد تدفع بدورها إيران نحو الديبلوماسية. إذ ان التوصل إلى اتفاق يُخفف من وطأة العقوبات قد يُساهم في تهدئة الرأي العام في لحظة مفصلية. وعلى الرغم من وصف المرشد الأعلى علي خامنئي في السابق التفاوض مع واشنطن بأنه “غير حكيم” و”غير مشرّف”، يُملي عليه الواقع السياسي والاقتصادي القبول بالديبلوماسية، كما يتضح من موافقته السريعة والمفاجئة على بدء المحادثات بعد تلقّيه رسالة من ترامب في آذار الماضي.
وتُعد الأوضاع الاقتصادية في إيران اليوم الأسوأ منذ الحرب العراقية الايرانية (1980–1988)، حسب الخبراء. وقد صرّح الرئيس بزشكيان بأن البلاد تعيش حالة “اقتصاد الحرب”. فالتضخم والانهيار البيئي وسوء الادارة المالية وسقوط العملة والعقوبات شكّلت عاصفة كاملة.
ويُدرك خامنئي أن ورقته الأهم لدى الشعب الايراني هي قدرته على التوصّل إلى اتفاق مع الأميركيين. فالاتفاق قد يُرضي غالبية الشعب، الذي بات يرى أن سياسة “محور المقاومة” تستنزف موارد البلاد من دون أن تُحقق أمناً أو مكاسب ديبلوماسية.
الانقسامات داخل النخبة
وهناك أيضاً تيار داخل النخبة الايرانية يدعو الى اتفاق يتجاوز الملف النووي. هؤلاء يدفعون باتجاه إعادة تعريف السياسات الخارجية الايرانية بناءً على المصلحة الوطنية، وليس المشاريع الأيديولوجية المفتوحة مثل دعم الجماعات الإسلامية المسلحة. لكن هذا التوجه يُقابل برفض من التيار المتشدد، وخصوصاً الحرس الثوري الايراني الذي يُصر على أن قدرات إيران العسكرية وشبكتها الاقليمية من الخطوط الحمر. ومع تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية، بات الحرس الثوري مضطراً الى إعادة تقييم مواقفه. بل إن بعض قادته دعا مؤخراً إلى خفض التوتر الاقليمي، بعد سلسلة من النكسات التي لحقت بمحور المقاومة.
وحالياً، يبدو أن التساؤل الأهم الذي يشغل خامنئي بخصوص الولايات المتحدة هو: هل ترامب جاد فعلاً في التوصّل إلى اتفاق لا يُهين إيران أو يُضعف مكانتها؟
لحظة حاسمة
بالنسبة الى واشنطن، هذه لحظة فاصلة في العلاقة مع إيران. لكن إذا لم تتم إدارة العوامل الايجابية بعناية، فإن القوى الاقليمية والدولية يمكن أن تعمل ضد الاتفاق. ويكفي نهج أميركي عدائي، أو ضربة استباقية من إسرائيل، لتقويض فرص الديبلوماسية. كما أن تصعيد الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة قد يدفع بكين الى دعم إيران أكثر، ما يُقلل حوافز طهران لتقديم تنازلات.
ومن جهة أخرى، قد يدفع تبني إدارة ترامب مطالب تفاوضية متشددة إيران إلى تشدد أكبر. فقد أعلنت واشنطن أن هدفها منع إيران من امتلاك سلاح نووي وليس خيار “نزع القدرات” الكامل. لكن التصريحات تغيّرت في اليوم التالي نحو موقف أكثر تشدداً. وإذا استمر هذا النهج في جولات التفاوض المقبلة، فإن احتمالية التوصل إلى اتفاق ستتراجع بشدة.
باختصار، هناك فرصة حقيقية للافادة من التحولات الاقليمية والدولية والمحلية للوصول إلى اتفاق يُخفف من أحد أكبر مصادر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وربما يمهد لعلاقات هادئة بين إيران والولايات المتحدة. كما هناك فرصة لصياغة اتفاق أكثر شمولاً من اتفاق 2015. لكن في الوقت عينه، الكثير من الأمور يبقى على المحك وأي إساءة قراءة لهذه اللحظة التاريخية قد تجلب التبعات الوخيمة على المنطقة وعلى العالم ككل”.


