الوساطة الروسية بين المطرقة الأميركية والسندان الايراني

حسناء بو حرفوش
اميركا وايران

بينما تستأنف واشنطن وطهران جولات تفاوض غير مباشرة، تتّجه الأنظار إلى موسكو كطرف ثالث في تسهيل الحوار بين الجانبين، لا سيما في ظل تعقيدات الملف النووي الايراني والتوترات المتصاعدة مع إسرائيل. وعلى الرغم من مخاطر إعادة إشراك روسيا في قضايا ديبلوماسية عالية الحساسية، قد تمنح مساهمتها، وفقاً لقراءة في موقع “معهد الشرق الأوسط”، المفاوضات بين واشنطن وإيران زخماً جديداً.

ووفقاً للمقال، “لن تأتي الانفراجة الحقيقية من المفاوضات الأميركية الايرانية بل ستتطلب مواجهة أكثر خطوط التماس الاقليمية انفجاراً: المواجهة الايرانية-الاسرائيلية. وفي هذا السياق، تدّعي روسيا أن بمقدورها المساعدة. وعلى الرغم من مخاطر إعادة إشراك موسكو في ملفات ديبلوماسية حساسة، قد يطغى دعم روسيا في تهدئة التوتر الايراني-الاسرائيلي على تلك المخاوف بالنسبة الى صانعي القرار الأميركيين الساعين إلى صفقة مع طهران.

النووي والخطوط الحمر

ولطالما تمحورت سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران حول رفض امتلاك إيران سلاحاً نووياً. كما لا يريد ترامب تورط بلاده في حرب جديدة ومكلفة في الشرق الأوسط. وقد تبدو هاتان الغايتان متعارضتين، لكن ثمة مسار ضيق يمكن أن يجمع بينهما. فعلى الرغم من أن موسكو تُعد شريكاً استراتيجياً لطهران، يتشارك ترامب المخاوف نفسها من امتلاك إيران لسلاح نووي، بغض النظر عن اختلاف الأسباب.

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد صرّح في أيلول 2023، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أن لا أحد يرغب في ظهور دول نووية جديدة، مشيراً إلى أن الجمهورية الاسلامية أكدت مراراً عدم سعيها الى امتلاك سلاح نووي، حتى أن مرشدها الأعلى أصدر فتوى تحرّمه.

وليس موقف روسيا بجديد على طهران لأن صانعي القرار الايرانيين يدركون أن موسكو لا تجد مصلحة في تسلح إيران نووياً ولو تقاطعت مصالح البلدين عند الرغبة بتقليص النفوذ الأميركي. وتنظر روسيا الى إيران كأحد الأصول الاستراتيجية التي تستخدمها عند الحاجة، ولا تريدها كعبء دائم. وعلى الرغم من أن موسكو دعمت الاتفاق النووي عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، شكك الايرانيون لاحقاً في جدية موسكو في إنقاذ الاتفاق بعد العام 2022، إذ بدت روسيا مستعدة لاستخدامه كورقة تفاوضية ضمن صفقاتها الأوسع مع الغرب بعد غزوها الشامل لأوكرانيا.

ولا تؤخذ الروايات الغربية التي تزعم أن روسيا قد ترحب بامتلاك إيران للسلاح النووي لخلق توازن أو تشتيت انتباه خصومها بجدية في طهران. وحتى في الخطاب الايراني الداخلي، يبقى منع الانتشار النووي مبدأً أساسياً للأمن القومي الروسي، كما أن امتلاك طهران لسلاح نووي قد يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل الاقليمية تُعقّد الحسابات الروسية، سواء في الشرق الأوسط أو على حدودها الجنوبية. وفي الوقت الذي تواصل فيه موسكو معارضة عسكرة البرنامج النووي الايراني، تدافع عن حق طهران ببرنامج نووي سلمي.

إيران وروسيا: علاقات غير متكافئة

وتمتلك روسيا اليوم نفوذاً حقيقياً على إيران في الملف النووي، وربما أيضاً في ما يتعلق بسياستها تجاه إسرائيل. فقد دعمت موسكو إيران سياسياً بوجه العقوبات وزودتها بالأسلحة، ونسّقت معها عسكرياً في سوريا على الرغم من أن سقوط نظام بشار الأسد المفاجئ في كانون الأول 2024 كشف سطحية هذا التعاون.

وبينما تسعى روسيا الى تقديم نفسها كوسيط سلام في المثلث الأميركي-الايراني-الاسرائيلي، قد يكون من المفيد اختبار مدى قدرتها الفعلية على التأثير. فبوتين يدّعي أنه يحتفظ بعلاقات قائمة على الثقة مع كل من إسرائيل وإيران، ويبقي على تواصل وثيق معهما. كما يبدو أن لبوتين أثراً ملحوظاً على ترامب. وإذا كان بوتين لا يريد أن تهاجم الولايات المتحدة أو إسرائيل البرنامج النووي الايراني، فقد يكون قادراً على استخدام تأثيره لدى الطرفين لتمهيد الطريق أمام اتفاق، حتى لو من خلف الكواليس.

لهذا السبب، من الأفضل لواشنطن توجيه عروض الوساطة الروسية نحو تخفيف التوتر بين طهران وتل أبيب، بحيث يمكن لموسكو أن تُحدث فارقاً حقيقياً. وإذا ما كُلّفت روسيا بمسؤولية نزع فتيل الأزمة الاقليمية (من خلال دفع إيران الى تقليص دعمها لوكلائها ووقف تدفق الطائرات المسيرة إلى الحوثيين وتخفيض مستوى التهديد الصاروخي)، ربما الأمر يستحق المحاولة. وهكذا، سيتمكن ترامب بصفته “صانع الصفقات” من التسويق للوساطة الروسية كإنجاز أميركي.

ولكن ذلك لن يحصل مجاناً وقد تطلب روسيا ثمناً ديبلوماسياً مقابل جهودها، كتنازلات أميركية في ملفات مثل الأمن السيبراني أو الوجود الأميركي في القوقاز أو البلطيق. كما أن أي وساطة ناجحة قد تعزز مكانة موسكو كفاعل في الشرق الأوسط وهو ما قد يثير قلق المخططين الأميركيين. ولكن هل تمتلك روسيا القوة الاقتصادية أو الشراكات العميقة أو النفوذ العالمي اللازم لإزاحة الولايات المتحدة عن مركز ثقلها الاقليمي؟ السؤال يبقى مطروحاً خصوصاً وأن موسكو لم تتمكن في الفترة الماضية من منع انهيار نظام الأسد على الرغم من دعمها له”.

شارك المقال