رحل البابا فرنسيس الذي ترأس الكنيسة الكاثوليكية طوال 12 عاماً، لكن شخصيته الإستثنائية ستبقى في الوجدان الإنساني نظراً إلى ما تميّز به من فضائله وأهمها أنه كان عابراً للأديان، بل أقرب الى مارتن لوثر كينغ. كان يتكلم والملايين يصغون الى كلامه أكانوا مسلمين أم يهوداً أو معمّدين أو هندوسيين أو ملحدين. فانفتاحه وعدم هروبه من الأشياء الحقيقية كانا من أهم سماته، لذلك استقطب الشعوب على اختلاف أديانها واستمدت منه الرجاء.
كان مثالاً للعلمانيين كما للقادة الروحيين وشخصية شهيرة بالنسبة الى الذين يعجبون بهدوئه، وقائداً للذين يشاركونه آراءه عن الأخوة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والفقر والبيئة ومواضيع أخرى.
الكاثوليك لم يتفقوا جميعهم معه، فبعض المحافظين شعر بأنه خفّف من صدى الإيمان الحقيقي، والليبراليين غضبوا لأنه لم يغير كلمة في العقيدة الكاثوليكية، ولكن بالنسبة الى غير الكاثوليك الذين لم يألفوا العقيدة أخذ فرنسيس دوراً أوسع وملأ الفراغ بالنسبة الى الذين يبحثون عن القيادة حول مسائل عالمية تؤثر على الأرض والفقراء. على مثال البابا يوحنا بولس الثاني، جذب فرنسيس الحشود من الكاثوليك وغير الكاثوليك في كل مكان زاره. وهذا ظهر أيضاً خلال زيارته البيت الأبيض، فقد كان فرنسيس يلوح للحشود كشخص شهير وكانت الحشود من كل المعتقدات الدينية في أميركا.
حاور الكنائس المسيحية الأخرى كالأرثوذكسية والإنجيلية والمعمدانيين، والتقى قادتها الروحيين ولم يكن يخجل من أي حوار أو تواصل، حاول أن يبني مع كل الكنائس حول ما هو مشترك من فضائل وقيم مستمدة من تعاليم المسيح، متخطياً بعض التفاصيل والعوائق “التابو”. لكن البابا الراحل لم يقف عند حدود الإنفتاح على المسيحيين غير الكاثوليكيين فقط، إنما ذهب بعيداً جداً، نحو الإنفتاح على الأديان الأخرى، ربما كان من الصعب أن يُقنع أدياناً أخرى وملحدين بأن يتبعوا المسيح، لكنه وجد في القيم الإنسانية والأخلاقية ما هو جامع ومشترك. بالنسبة الى اليهود كانوا معجبين بالبابا فرنسيس لأنه اهتم بالفقراء والمهمّشين، وهو أظهر جدول أعماله وأعلن أنه يهتم بالناس وهذا ما يفعله كبار حاخامات اليهود وأكثرهم حكمة وفضيلة. والملحدون أحبوه لأن رسالته كانت شمولية، حملت التسامح والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة.
أما المسلمون فآمنوا بأن الله أرسل هذا الرجل (أي البابا) ليوحّد الناس مع بعضهم البعض.
وفي رسالته الرسولية “فرح الانجيل” التي كرّس مقاطع منها (رقم 250 – 254) للحوار بين الأديان، ينتهي الرقم 254 بهذه الجملة: “إزاء الأصولية العنيفة التي تقلقنا، على محبتنا للمؤمنين الحقيقيين بالاسلام أن تدفعنا الى تلافي التعميم المغرض لأن الاسلام والتفسير المناسب للقرآن يعارض كل عنف”. وتأتي هذه الجملة بعد المطالبة بالحرية الدينية التامة وحصول المسيحيين على المساواة في الحقوق المدنية في البلدان الاسلامية.
ولعل من أكبر إنجازاته توقيعه وثيقة الأخوة الإنسانية مع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب في أبو ظبي، كمنطلق لبناء العالم، وقد أعلنا بإسم الله تبنّي ثقافة الحوار درباً، والتعاون المشترك سبيلاً، والتعارف المتبادل نهجاً وطريقاً. باتت هذه الوثيقة قاعدة ومنطلقاً لزيارة التاريخ، والمستقبل، والتطلّع نحو واقع الإنسانية كافة، لإعادة صياغة قواعد مختلفة لتنظيم العلاقات بين أتباع مختلف الديانات والعقائد، تحكمها ثقافة الحوار مع الآخر، واحترام الآخر، والتعاون معاً لبناء ثقافة السلام. ولم يتوقّف انفتاح البابا فرنسيس عند هذا الحدّ بل زار النجف في العراق والتقى المرجعية الشيعية الكبرى آية الله علي السيستاني.
شغل البابا فرنسيس مراكز القرار في العالم، الى الأوساط الكنسية التي كان يفاجئها في الكثير من مواقفه التي تعيد أنسنة الكنيسة المؤسسة التي دخلتها البيروقراطية المادية بصورة واسعة. وقد تحول لاعباً فاعلاً في الحياة السياسية العلمانية، مذ بدأ يطرح اسئلة عن البيئة والاقتصاد، داعياً الى تبني سياسات محددة في هذين المجالين. كان العالم يحتاج الى تأثير البابا فرنسيس عليه، والى ثورته، والى تلك القوة الناعمة والمؤثرة المفتقدة منذ عشرات السنين.
ان البابا الذي حمل رقم 266، لم يكن مجرد رجل دين تسلّم أرفع مركز ديني في الكنيسة الكاثوليكية، ولم يأتِ ويذهب ليبقى الواقع البشري على ما هو عليه. ربما ما ميّزه أنه كان الوحيد منذ 1300 عام الذي تسلّم كرسي البابوية من خارج أوروبا، ومن بلد من بلدان العالم الثالث وهو الأرجنتين، ما جعل منه إنساناً أقرب إلى قلوب البشر أينما كانوا، وإلى أي ملة أو شيعة أو دين يتبعون. كان إنساناً كبيراً في زمن تسود فيه قيادات قزّمتها شهوات السلطة والتسلط والغرائز الوضيعة والعنصرية التي تميّز بين جنس ولون وآخر، لا بل ما بين كل فرد وآخر. فكّر من منطلقات مسكونية إنسانية تتخطى حواجز القومية وعقائد العصر لتخاطب الإنسان كإنسان، بحيث يقول إن في الحوار احترام الآخر للآخر، لا فرق بين إنسان وآخر، وإن اليهودية رسالة سماوية سبقت المسيحية التي لم تنكرها، وإن الإسلام رسالة سمحة سماوية تدعو إلى محبة الله والجار معاً، لذلك كان على تمام الاستعداد للدخول في حوار حتى مع الذين يعلنون كفرهم بالله، وهذا ما فعله شخصياً مرة عندما اتصل برئيس تحرير صحيفة “لاريبوبليكا” الايطالية الملحد وأجرى معه لقاءات حاوره فيها عن عمق الإيمان والإلحاد.
البابا فرنسيس قاد فعلاً ثورة في الكنيسة لكنها ليست ثورة ضد تعاليم الكنيسة وايمانها، بل ثورة نفضت الغبار عن تعاليم المسيح وشعبه. ثورة أعادت الحياة الى كنائس شبه مهجورة في البشر والحجر. وبالتالي ألا يستحق من دعاه المسيح ليكون قائداً لكنيسته ويرمّمها على أسس الحوار والسلام أن يكون قديساً؟


