دعوة الشرع إلى قمة بغداد تشعل العراق

محمد شمس الدين

بين لقاء سري في الدوحة، ودعوة علنية لحضور قمة عربية مرتقبة في بغداد، يجد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني نفسه في عين عاصفة سياسية تتفاقم يوماً بعد آخر. اللقاء الذي جمعه بالرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في قطر، والذي لم يُكشف عنه رسمياً إلا بعد أيام من حدوثه، فجّر موجة غضب عارمة في الأوساط السياسية والشعبية العراقية، مترافقة مع احتجاجات في الشارع وتهديدات باستجواب الحكومة في البرلمان.

الشرع المدعو… والمطلوب

مصادر أمنية عراقية كشفت أن أحمد الشرع لا يزال مطلوباً للقضاء العراقي بموجب مذكرة توقيف تعود الى فترة انخراطه في القتال ضمن صفوف تنظيم “القاعدة”، بحيث سُجن سابقاً في العراق على خلفية اتهامه بالمشاركة في عمليات تفخيخ وهجمات استهدفت قوات التحالف. واليوم، بعد أن تولّى الرئاسة في سوريا إثر إطاحة بشار الأسد، عاد اسمه إلى الواجهة، لكن هذه المرة كضيف محتمل على الأراضي العراقية.

القرار الذي اتخذه السوداني بدعوته للمشاركة في القمة العربية في بغداد منتصف أيار المقبل، اعتبره خصومه مقامرة سياسية غير محسوبة، خصوصاً وأن المرجعية الدينية في النجف أعلنت رفضها للزيارة، كما خرجت تظاهرات رافعة شعارات “قاتل” و”إرهابي”، في إشارة مباشرة إلى الشرع.

رفض شيعي واسع وتحذيرات أمنية

التحالفات الشيعية الموالية لإيران، والتي دفعت بالسوداني إلى رئاسة الوزراء ضمن “الإطار التنسيقي”، بدت منقسمة إزاء الخطوة. قيس الخزعلي، زعيم “عصائب أهل الحق”، وصف الزيارة بأنها “سابقة لأوانها”، محذراً من تداعياتها الأمنية والسياسية، في ظل وجود مذكرة اعتقال بحق الشرع. كما طالب حزب الدعوة الإسلامية في بيان بعدم استقبال أي شخصية مدانة دولياً أو محلياً، متسائلاً عن جدوى توجيه دعوة لمن “استباح دماء العراقيين”.

أما “كتائب حزب الله” فكانت أكثر وضوحاً، معتبرة أن القمم العربية يمكن أن تنعقد من دون العراق أو سوريا، ولا حاجة الى توريط بغداد في “استضافة الجولاني”، في إشارة إلى ماضي الشرع المسلح المرتبط بجبهة “النصرة”، التي لطالما نُظر إليها على أنها فرع من تنظيم “القاعدة” في سوريا.

ضغط قطري – تركي، ومصالح انتخابية؟

في رواية مصادر عراقية مطلعة لموقع “لبنان الكبير”، فإن قرار السوداني يأتي بدفع من ضغوط قطرية وتركية، في سياق ترتيبات إقليمية تسعى الى إعادة تأهيل النظام السوري الجديد بقيادة الشرع. لكن هذه الرواية تتقاطع مع اتهامات أخرى، تقول إن السوداني يستخدم هذا الملف كورقة انتخابية تُمهد لحملة إعادة انتخابه في ولاية ثانية، عبر تصويره كوسيط إقليمي مؤثر قادر على التحدث مع الجميع، حتى أكثر الشخصيات إثارة للجدل.

وبرأي بعض المراقبين، فإن هذا الانفتاح المفاجئ على دمشق قد لا يكون مدفوعاً بالمصلحة الوطنية بقدر ما هو محاولة لإعادة ترتيب التحالفات الداخلية قبيل الانتخابات، خصوصاً أن الحكومة العراقية لطالما تعاملت مع الملف السوري عبر قنوات أمنية مغلقة، من دون اعتراف سياسي صريح.

صمت رسمي وغموض إعلامي

ما زاد الطين بلّة، هو غياب أي بيان مفصل من الحكومة العراقية حول اللقاء، مقابل بيان مقتضب من الرئاسة السورية، وصور نشرها الجانب القطري فقط. هذا الغموض ألقى بظلال من الشك حول من كان على علم بالزيارة داخل الدولة العراقية، ومن تم استبعاده عن قصد، في وقت يشهد فيه البيت السياسي انقساماً حاداً بشأن مستقبل العلاقة مع دمشق.

أزمة سيادة أم حنكة ديبلوماسية؟

في عمق الجدل، يبرز تساؤل مركزي: هل تجاوز السوداني صلاحياته بدعوة شخصية لا تزال مطلوبة للعدالة العراقية؟ أم أنه استخدم أدواته كرئيس وزراء لتحقيق مكاسب ديبلوماسية في لحظة إقليمية متحركة؟

أنصاره يرون أن اللقاء ربما يندرج ضمن جهود لتهدئة التوتر على الحدود، وضبط تحركات الفصائل المسلحة العابرة للدول. لكن خصومه يتهمونه بتقديم تنازل سياسي وأخلاقي، يسيء الى دماء ضحايا الإرهاب، ويفتح الباب أمام شرعنة شخصيات سبق أن ارتكبت مجازر موثقة بحق عراقيين.

قمة عربية على فوهة أزمة

وسط هذا التوتر، تظل القمة العربية المقررة في 17 أيار المقبل مهددة بالتعطيل أو المقاطعة، إن أصر السوداني على دعوة الشرع، خصوصاً أن الشارع العراقي لا يزال يحمل ذاكرة مثقلة بالألم تجاه تلك المرحلة التي شارك فيها الشرع كطرف مسلح في الصراع الطائفي.

وفي بلد يُبنى فيه القرار السياسي غالباً على موازين القوة لا على التوافقات الدستورية، ستكون الأسابيع المقبلة اختباراً حاسماً ليس للسوداني وحسب، بل لموقع العراق برمّته في خريطة التحالفات العربية الجديدة.

شارك المقال