المازوت يشعل الغضب في شمال شرق سوريا

ماهر الحمدان

في قرار أثار استياءً شعبياً واسعاً وفتح جبهة انتقادات حادة، أقدمت “الادارة الذاتية” في شمال شرق سوريا على رفع أسعار المحروقات بنحو 50% من دون إعلان رسمي، ما دفع العديد من الفاعلين المحليين والجهات السياسية إلى التنديد بالخطوة التي اعتُبرت عبئاً إضافياً على سكان منطقة تعاني أصلاً من تدهور اقتصادي غير مسبوق.

جاء هذا القرار في ظل ظروف معيشية شديدة القسوة، من انعدام الخدمات الأساسية وانتشار الفقر والبطالة، إلى أزمة الجفاف التي تضرب القطاع الزراعي، الذي يُعدّ شريان الحياة الرئيسي للمنطقة.

وقود فوق النار

وفقاً لتسعيرة جديدة تم تعميمها بصورة غير رسمية على أصحاب المحطات، ارتفع سعر لتر المازوت من 4000 إلى 6200 ليرة سورية، وسط غياب أي توضيح رسمي في بادئ الأمر. هذا التغيير المفاجئ مسّ المازوت والبنزين الحر فقط، بحسب ما أوضح لاحقاً مسؤول في “الادارة الذاتية”، فيما أبقت الجهات المعنية على أسعار المحروقات المدعومة المخصصة للخبز والتدفئة والأفران من دون تغيير.

وبررت الادارة القرار بوجود “أزمة مالية خانقة” في خزينتها العامة، ناتجة عن عجز مالي، إلى جانب ارتفاع كلفة الاستخراج والنقل، في تبرير لم يُقنع السكان ولا المعنيين بالشأن الاقتصادي والزراعي.

الزراعة في مرمى القرار

القطاع الزراعي، الذي يعتمد بصورة كبيرة على المازوت في تشغيل مضخات الري، كان أول المتضررين. إذ حذّر المجلس المحلي في الحسكة من تداعيات “خطيرة” للقرار على محصول القمح، الذي يُعد من المحاصيل الاستراتيجية في سوريا، مؤكداً أن الخطوة تهدد الأمن الغذائي وتزيد من كلفة الإنتاج بصورة كبيرة.

مزارع من ريف الحسكة روى لموقع “لبنان الكبير” كيف اضطر إلى شراء دفعتين من المازوت بالسعر الحر بعد أن لم يحصل على مخصصاته، ما كبّده أكثر من 11 مليون ليرة سورية إضافية، قائلاً: “لا نستطيع سقاية أراضينا خمس مرات في الموسم بهذا السعر. إننا نخسر قبل أن نزرع”.

تضخم فوري في الأسواق

لم تتأخر انعكاسات القرار في الوصول إلى الأسواق، إذ أكّد أحد تجار الخضار في مدينة الحسكة أن كلفة شحن الخضار ارتفعت بنسبة 30% خلال 24 ساعة فقط، متوقعاً أن ترتفع أسعار معظم المواد الغذائية بنسبة لا تقل عن 10% في الأيام المقبلة، بسبب ارتفاع كلفة النقل من الداخل السوري أو عبر المعابر الحدودية.

وتوقّع أحد سكان ريف القامشلي أن تتضاعف أسعار الخبز والمياه وأجور النقل، قائلاً: “يبدو أن أصحاب القرار في وادٍ، والناس في وادٍ آخر”.

الانتقادات تتوالى: من الأحزاب إلى الأكاديميين

لم تمرّ الخطوة مرور الكرام سياسياً. فقد أصدر حزب “الوطن السوري” بياناً اعتبر فيه أن القرار يفاقم المعاناة ويضرب القطاعات الحيوية، داعياً “الادارة الذاتية” إلى التراجع والبحث عن حلول بديلة تراعي العدالة الاجتماعية.

بدوره، استنكر الدكتور فاروق إبراهيم، عضو “التحالف السوري الوطني”، في حديث لموقع “لبنان الكبير”، القرار الذي “جاء في ظل أوضاع معيشية متدهورة، مع غياب الخدمات الأساسية وانتشار الفقر والبطالة، ما يشكل عبئاً إضافياً على كاهل السكان”.

وأضاف: “نحمّل الادارة الذاتية كامل المسؤولية عن التداعيات الاجتماعية والاقتصادية، ونطالبها بالتراجع الفوري عن القرار، مع تأكيدنا على مواصلة الدفاع عن حقوق الشعب الكردي ومصالحه بالوسائل السلمية والمشروعة”.

أزمة بلا أفق؟

تشهد مناطق “الادارة الذاتية” منذ أشهر نقصاً حاداً في المحروقات، سواء للسيارات أو المشاريع الزراعية والصناعية، وسط شكاوى متكررة من تلاعب بالتوزيع وتأخر في تسليم المخصصات، ما يدفع العديد من السكان للجوء إلى السوق السوداء أو الشراء بالسعر الحر.

ويبدو أن الخطوة الأخيرة ما هي إلا وجه آخر لأزمة مالية وإدارية أعمق. وبحسب مصادر محلية، فإن الادارة بدأت بتحصيل مستحقات شركة “سادكوب” بالدولار الأميركي حصراً، ما يطرح تساؤلات حول مدى استعدادها لتحمّل الأعباء الاجتماعية والسياسية لمثل هذه القرارات.

في ختام المشهد، يرى مراقبون أن رفع أسعار المحروقات في منطقة تُعد الأغنى بالنفط في سوريا، من دون خطة دعم فاعلة أو حلول بديلة، يفتح الباب أمام موجة جديدة من الغضب الشعبي، وقد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الاجتماعية وتوسيع فجوة الثقة بين المواطنين والادارة، في وقت تحتاج فيه المنطقة أكثر من أي وقت مضى إلى استقرار اقتصادي واجتماعي يحول دون انفجار قادم.

شارك المقال