عودة البيطار بـ “السحر”… هيئة اتهامية تبت دعوى “اغتصاب السلطة”

محمد شمس الدين

غريب كيف، وبسحر ساحر، توالى السياسيون إلى مكتب المحقق العدلي القاضي طارق البيطار بعد أكثر من أربع سنوات ونصف السنة من الخلاف العنيف معه، ورفع دعاوى كفّ اليد، بل وحتى اتهامه بـ”اغتصاب السلطة”. والأغرب من ذلك، كيف أن البيطار نفسه خفّف من وتيرة استعراضاته القضائية، وبدأ يحقق مع السياسيين ويُخلي سبيلهم، كأن كل ما سبق من تصعيد وتهديدات وسجون لم يكن سوى فصول في مسرحية الشعبوية.

التحولات القضائية التي طفت على السطح مؤخراً، تُظهر مشهداً جديداً في ملف تفجير مرفأ بيروت، يراوح بين إعادة تحريك الملف قضائياً، وبين تسوية سياسية ناعمة ترضي جميع الأطراف، وتضمن استمرارية التحقيق من دون خسائر فادحة لأي جهة.

جديد الملف

في اجتماعه الأخير، عيّن مجلس القضاء الأعلى ثلاث هيئات اتهامية للنظر في عدة دعاوى مرفوعة ضد قضاة، إحداها خُصصت للبتّ في الدعوى المقدّمة ضد البيطار بجرم “اغتصاب السلطة”، وهي الدعوى التي رفعها النائب العام التمييزي السابق القاضي غسان عويدات في 25 كانون الثاني 2023، بعد عودة البيطار إلى التحقيق في ملف المرفأ على الرغم من تجميده بقرار سياسي وقضائي طويل الأمد.

الآن، باتت الهيئة الاتهامية على وشك أن تباشر النظر في القضية، وستكون لها الكلمة الفصل في تحديد مصير القاضي البيطار.

السيناريوهات المتوقعة بعد قرار الهيئة الاتهامية

وفق المسار القانوني:

إذا رأت الهيئة أن البيطار ارتكب جرم “اغتصاب السلطة”، فسيُسحب منه الملف بالكامل، وتُعاد ترتيبات التحقيق من جديد مع قاضٍ جديد.

أما إذا رأت أن البيطار لم يخرق صلاحياته، فسيُعزَّز موقعه القانوني ويُكمل التحقيقات بقوة دفع جديدة، وقد يتم تجاوز جميع العراقيل السابقة التي عطّلت الملف.

وفي كلا الحالتين، فإن القرار النهائي للهيئة غير قابل للطعن، ما يجعله لحظة مفصلية في مستقبل العدالة في هذه القضية الحساسة.

ثالثاً: البيطار يعود… ولكن بشروط؟

على الرغم من أن عودة البيطار بدت وكأنها انتصار قضائي، إلا أن ما جرى خلف الكواليس يشير إلى نوع من التفاهم السياسي المسبق، يهدف إلى إعادة تحريك الملف من دون صدمات كبرى.

ووفق ما نقلته مصادر سياسية رفيعة لموقع “لبنان الكبير”، يبدو أن هناك “اتفاقاً تحت الطاولة” يقضي بأن يُكمل البيطار مهمته في التحقيق، من دون أن يوقف أي سياسي، ويصدر قراراً ظنياً، وإذا تضمن القرار اتهاماً لأحد المسؤولين، تُحال محاكمته على جهة قضائية أخرى مثل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء أو المحكمة العسكرية، وغيرها.

أي أن البيطار يظل قاضياً للتحقيق فقط، لا قاضياً للحكم، في تسوية أشبه بـ”ترتيب سياسي قضائي” هدفه إرضاء الجميع ومنع انفجار سياسي جديد.

الاختبار الأخطر: استدعاء وزراء الثنائي الشيعي

وأشارت المصادر إلى أن المحكّ الأهم في هذا المسار سيكون عندما يقترب التحقيق من الوزراء المحسوبين على الثنائي الشيعي. فهؤلاء اتهموا البيطار سابقاً بالاستنسابية، ومن غير المنطقي – بحسب المصادر – أن يتخذ البيطار إجراءات بحقهم بعد عدم اتخاذه أي إجراء مماثل بحق سياسيين آخرين تم استدعاؤهم مؤخراً.

أي خطوة في هذا الاتجاه قد تُعيد مناخ التوتر السياسي، ما لم يقدّم البيطار مبررات قوية، مثل تثبيت تورط “حزب الله” أو النظام السوري الساقط في ملف نيترات الأمونيوم، وهذا قد يشعل البلد من جديد.

غطاء سياسي داخلي وخارجي؟

تشير المعطيات إلى أن عودة البيطار إلى الملف لم تكن محض صدفة، بل جاءت ضمن قرار سياسي داخلي وغطاء خارجي، وبدء مرحلة جديدة يحاول فيها العهد الحالي إظهار نوايا الإصلاح وإعادة ثقة الناس بالقضاء.

وبحسب مصادر متابعة، فإن جهات دولية داعمة للبنان شددت على ضرورة إحياء ملف التحقيقات، كإشارة إلى أن الدولة اللبنانية لا تزال قادرة على محاسبة المسؤولين، ولو بالشكل لا بالمضمون الكامل.

شارك المقال