في خضم الجهود المبذولة للتوصل الى اتفاق نووي بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو طهران أكثر ميلاً الى كسب الوقت مما هي راغبة حقاً في تحقيق التفاهم. وبينما يسعى الرئيس دونالد ترامب الى تحقيق اختراق ديبلوماسي، تراهن القيادة الايرانية على ضعف موقف واشنطن وارتباك حلفائها، أملاً في الوصول إلى أكتوبر من دون تنازلات تُذكر، وتفادي العقوبات الدولية مجدداً.
ووفق قراءة في موقع “ناشيونال انترست”، فان “على ترامب أن يدرك أن طهران لا تأتي على الأرجح إلى طاولة المفاوضات بدافع الخوف من واشنطن، بل لأنها وجدت فرصة سانحة. وفي ظل هذه الديناميكيات، ينبغي للمفاوضين الأميركيين أن يحددوا مهلة صارمة لا تتجاوز بضعة أسابيع لإبرام اتفاق يخدم المصالح الأميركية فعلياً، حتى لا يسمحوا للمفاوضين الايرانيين بإطالة أمد المحادثات، بالشكل الذي يمنح طهران الوقت للتقدم أكثر في برنامجها النووي والتحرر من التهديدات الاقتصادية.
وبعد ثلاث جولات من المحادثات التي لم تُحلّ فيها القضايا الأساسية، من المرجح أن طهران ترى أن الادارة الأميركية لا تزال غير حاسمة، ولديها الأسباب الوجيهة للشك حتى ولو وجه الرئيس ترامب تهديداً علنياً باستخدام القوة ضد المنشآت النووية الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق. ومن جملة الأسباب أولاً، أن ترامب هو الرئيس الرابع خلال ربع القرن الأخير الذي يهدد باستخدام القوة، لكنه يختار في النهاية مسار التهدئة، ما مكّن إيران من التقدم في برنامجها النووي وبرامج الصواريخ الباليستية. ويمكن للمسؤولين الايرانيين أن يستنتجوا أن واشنطن، بغض النظر عن الحزب الحاكم، لا تمتلك الإرادة لاستخدام القوة فعلياً.
ثانياً، على الرغم من تهديد ترامب قبل أسابيع بفتح أبواب الجحيم ضد حركة حماس ما لم تُفرج فوراً عن جميع الرهائن بعد 7 أكتوبر، فإنه لم ينفذ أي عمل عسكري. فكيف ستقتنع طهران بأنه سيقدم على خطوة عسكرية أشد خطورة ضدها؟ كما أن الموقف الأميركي في المفاوضات يبدو متذبذباً. فالمبعوث الخاص للرئيس إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، أشار مؤخراً إلى أن ترامب قد يسمح لطهران بمواصلة تخصيب اليورانيوم بمستويات منخفضة، بدلاً من تفكيك برنامجها النووي بالكامل.
وبعد الانتقادات التي اتهمت الادارة بالسعي الى اتفاق مشابه للاتفاق النووي لعام 2015، الذي انسحب منه ترامب في 2018، شددت الادارة موقفها. وصرّح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن إيران يمكن أن تحتفظ فقط ببرنامج نووي سلمي يعتمد على وقود نووي مستورد.
سباق مع الوقت
وبموجب القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن، أمام المجتمع الدولي حتى شهر أكتوبر المقبل حصراً ليقرر ما إذا كان سيعيد فرض العقوبات على إيران بسبب خروقها للاتفاق النووي. وعلى الرغم من أن أي من الأطراف الموقعة يستطيع تفعيل آلية سناب باك الواردة في الاتفاق النووي، يطرح انسحاب واشنطن من الاتفاق تساؤلات حول أهليتها لذلك.
لذا، قد تضطر الولايات المتحدة الى إقناع بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا بتفعيل العقوبات. ولكن طهران ترى بوضوح التوترات المتزايدة بين واشنطن وهذه الدول بسبب الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، وجهوده لفرض تسوية موالية لروسيا في أوكرانيا، وسخريته من التحالف الغربي. وفي الحقيقة، تطالب طهران بعقد اجتماعات مع الأوروبيين قبل مواصلة المحادثات مع واشنطن، ما يُظهر سعيها الى فصل الموقف الأميركي عن حلفائه في ملف إيران. وكل ذلك يقلل من قدرة واشنطن على الضغط، ويمنح إيران حوافز أكبر لمواصلة المماطلة حتى أكتوبر.
السياق الداخلي للرئيسين
ولا يتخذ أي رئيس أميركي قراراته من فراغ، فترامب يواجه تراجعاً في نسب التأييد وهبوطاً في ثقة المستهلكين وتوقعات بحدوث ركود اقتصادي. وقد تدفعه هذه الظروف الى الإبقاء على المحادثات أملاً في إعلان إنجاز سياسي قبل أكتوبر حتى لو كان الاتفاق ضعيفاً، من أجل تلميع صورته داخلياً.
أما في إيران، فتتدهور الأوضاع الاقتصادية بشدة بفعل العقوبات الأميركية: العملة تنهار والتضخم يقترب من 40%، وأزمات الطاقة والمياه تتكرر، في حين تتزايد معدلات الفقر، وآفاق العمل للشباب تزداد قتامة. وزاد الطين بلّة الانفجار الضخم هذا الأسبوع في ميناء بندر عباس التجاري، الذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 70 شخصاً وإصابة أكثر من 1000، ما سيغذي على الأرجح الغضب الشعبي تجاه النظام. بالتالي، قد تشكل هذه المحادثات شريان حياة للنظام في طهران في لحظة حرجة”.


