تعود مشاهد الاعتراض الشعبي في جنوب لبنان إلى الواجهة مجدداً، في ظل احتقان سياسي وأمني يتصاعد يوماً بعد يوم. فقد سجّلت مناطق عدّة خلال الأيام الماضية حوادث متكرّرة طالت دوريات قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل”، لا سيّما تلك التي تتحرّك من دون مرافقة الجيش اللبناني، الأمر الذي اعتُبر تجاوزاً للمألوف المحلي ومصدر قلق شعبي متزايد.
بالأمس في بلدة العباسية تم اعتراض دورية لقوات “اليونيفيل”، وفي بنت جبيل، اعترض عدد من الأهالي، الثلاثاء الماضي، طريق دورية أخرى، احتجاجاً على غياب التنسيق مع الجيش اللبناني. وسبق ذلك حادثة أخرى في بلدة طيردبا القريبة من صور، حيث اعترض شابان طريق آلية مؤللة للقوة الدولية وأجبراها على التراجع، في مشهد وثّقه مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل، ويُسمع فيه أحدهما يردّد: “ممنوع دخولهم من دون الجيش”.
هذه الحوادث المتكرّرة تطرح تساؤلات مشروعة: هل ما يجري هو تعبير عفوي عن غضب الأهالي أم أن هناك من يوجّه هذه الاعتراضات ويوظّفها في سياق مواجهة أوسع مع الدور الدولي في الجنوب؟ وهل تندرج هذه التحركات ضمن رسالة سياسية أو أمنية تتجاوز حدود الاعتراض المحلي؟
سياق متوتر.. وأبعاد أبعد من الظاهر؟
ليست هذه المرة الأولى التي تُسجَّل فيها اعتراضات على تحركات “اليونيفيل”، لكن عودتها في هذه المرحلة بالذات تطرح أكثر من علامة استفهام. فالمشهد الاقليمي متوتر، ولبنان يمر بمرحلة حرجة بعد ما سُمّي بـ”حرب الإسناد”، التي خلّفت دماراً كبيراً في الجنوب ونتج عنها احتلال إسرائيل لخمس نقاط حدودية لبنانية. كل ذلك يترافق مع استياء شعبي من الأداء الدولي، خصوصاً في ما يتعلّق بعدم قدرة المجتمع الدولي على إلزام إسرائيل بالانسحاب، أو منعها من مواصلة اعتداءاتها المتكررة على الأراضي اللبنانية.
وفي هذا السياق، يرى البعض أن تحركات “اليونيفيل” من دون مرافقة الجيش تُفسّر على أنها محاولة لمراقبة الأوضاع الميدانية خارج التنسيق الكامل مع الجهات الرسمية، وربما تشكّل ضغطاً غير مباشر على قوى الأمر الواقع في الجنوب، وهو ما لا يُستقبل دائماً بارتياح.
“اليونيفيل”: لا ندخل الممتلكات الخاصة عمداً
في المقابل، تحاول قوات “اليونيفيل” الدفاع عن دورها وتوضيح طبيعة مهامها، المستندة إلى قرار مجلس الأمن 1701، الذي يحدّد إطار عملها في لبنان.
وفي تصريح خاص لموقع “لبنان الكبير”، أوضحت نائبة الناطق الرسمي باسم البعثة، كانديس أرديل، أن “السلطات اللبنانية فقط هي التي تملك صلاحية دخول الممتلكات الخاصة من تلقاء نفسها، أما قوات حفظ السلام فلا تملك هذه الصلاحية، ولن تقوم بذلك عن قصد إطلاقاً”.
وأضافت: “بموجب القرار 1701، ووفقاً لما تم الاتفاق عليه مع الحكومة اللبنانية، يمكن لقوات اليونيفيل تنفيذ دورياتها وأنشطتها العملياتية الأخرى من دون مرافقة من الجيش اللبناني، ومع ذلك نحن ننسّق دائماً مع الجيش، حتى عندما تتعذر عليه مرافقتنا”.
وعن العلاقة مع السكان المحليين، أكدت أرديل أن “الغالبية العظمى من أنشطتنا لا تواجه أي مشكلات مع السكان. لدينا علاقات قوية مع مجتمعات الجنوب، ولا نعتقد أن هذه الحوادث المحدودة تعكس نظرتها الايجابية تجاهنا”.
وشددت على أن “وجود قوات حفظ السلام في جنوب لبنان يأتي بطلب من مجلس الأمن الدولي وحكومة لبنان. نحن نحترم سيادة لبنان ونعمل يومياً بالشراكة مع القوات المسلحة اللبنانية. لكن، من أجل تنفيذ ولايتنا ودعم العودة إلى الاستقرار، يجب أن تتمكن قوات حفظ السلام من الوصول إلى جميع أنحاء منطقة عملياتها. ومنع ذلك لا يؤدي إلا إلى عرقلة قدرتنا على الحفاظ على الهدوء، واستعادة الاستقرار، وضمان سلامة المدنيين وقوات حفظ السلام على حد سواء”.
بين الرفض المحلي والشرعية الدولية
بين الاعتراضات الشعبية وتصريحات الأمم المتحدة، تزداد العلاقة بين الجنوب و”اليونيفيل” تعقيداً. فبينما لا يزال قسم من الأهالي يرى في وجودها ضمانة للتهدئة، تنمو في أوساط أخرى مشاعر التوجّس، خصوصاً في ظل غياب أي تقدّم في ملف إعادة الإعمار، واستمرار الغارات والاعتداءات الاسرائيلية التي طالت حتى الضاحية الجنوبية لبيروت.
ويبدو أن هذه الاعتراضات مرشّحة للاستمرار طالما بقي الوضع الميداني والسياسي على حاله. ومع ذلك، تؤكد مصادر “لبنان الكبير” أن قوات “اليونيفيل” تبدي تفهّماً للواقع الجنوبي، وهي حريصة على عدم الدخول في مواجهة مع السكان، معتبرة أن أي إشكال يمكن حلّه بالتواصل والتنسيق، لا بالتصعيد.


