من جبل لبنان، ارتسمت أولى خرائط البلديات… هناك حيث اختلطت دماء الأحزاب بعصب العائلات، وانصهرت السياسة بالاجتماع في معركة لا تشبه ما سبق. ففي مشهد غير مألوف، لبست الأحزاب ثياباً مدنية وتقدّمت بلوائح هجينة، بعضها تحالفات ظرفية وأخرى تسويات تحت الطاولة. وبينما احترق “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” في أتون الصراع المسيحي-المسيحي الوجودي، كان الثنائي الشيعي يراقب من موقع الممسك بأوراقه التنظيمية، راسماً استراتيجيته بتأنٍ، ومحصّلاً النتائج بهدوء.
فكيف قرأ الثنائي الشيعي معركة جبل لبنان؟ وماذا أعدّ لمعارك الشمال وبيروت والجنوب؟ وهل يملك مفاجآت انتخابية في جعبته للمرحلة المقبلة؟
توسع الثنائي
ترى مصادر الماكينة الانتخابية المركزية لحركة “أمل” و”حزب الله” أن تجربة جبل لبنان كانت نموذجاً مصغراً عن القدرة التنظيمية والسياسية للثنائي، الذي خرج فائزاً بكل اللوائح التي دعمها مباشرة أو بالتحالف مع قوى محلية، معتبرة أن ما تحقق لم يكن انتصاراً في صندوق الاقتراع وحسب، بل تثبيت لاستراتيجية جديدة، بحيث لم يعد حضور الثنائي مشروطاً بالجغرافيا، بل أصبح قابلاً للتوسّع نحو مناطق لا تُعدّ تقليدياً جزءاً من بيئته.
مفاجأة في بيروت
في الشمال، تقول المصادر إن الاستعدادات تجري بوتيرة عالية، خصوصاً في مناطق ذات وزن شعبي، حيث سيعمل الثنائي على دعم لوائح متحالفة تجمع بين الشخصيات العائلية والكوادر التنظيمية، ضمن صيغة توازن بين الخصوصية المحلية والانتماء السياسي. أما بيروت، فتُعدّ المعركة فيها “استثنائية”، بحسب المصادر، لأن اللائحة التي يشارك فيها الثنائي “تحمل مفاجأة انتخابية قد تعيد خلط الأوراق، وسيتم تأمين نجاحها بكل الوسائل”.
الأمر للعائلات في البقاع
أما في البقاع، فالخطاب الانتخابي مختلف. هناك، يراهن الثنائي على تركيبة عشائرية متداخلة مع بنيته الشعبية، ما يجعل الانتخابات امتداداً طبيعياً لعلاقته بالبيئة، و”ليس معركة بالمعنى الحاد”، كما توضح المصادر، التي ترى في البقاع تكراراً لنموذج الفوز عبر العصب العائلي والتنظيمي معاً.
البقعة المقفلة
وفي الضاحية الجنوبية، لا مكان للمعركة أساساً. فهي كما تسميها الماكينة الانتخابية “البقعة الجغرافية المقفلة للثنائي”، حيث تُحسم النتائج قبل الوصول إلى الصناديق، بفعل التماهي المطلق بين القواعد والقيادة.
الجنوب الوفي
وفي الجنوب، هناك الامتحان الأكبر، لكنه، بحسب مصادر الثنائي، “أقرب إلى استفتاء شعبي على مشروع المقاومة”، بحيث تتجه غالبية البلديات نحو التزكية، فيما تشهد أخرى منافسات ودّية تحت راية موحدة. وتشير المصادر الى أن الجنوب “سيُقدّم يوم ٢٤ عرساً وطنياً لأبناء الشهداء، تُزرع فيه الأصوات وفاءً، وتُحصد فيه كرامات”.
يخوض الثنائي معركته البلدية هذه المرة بشيء من الاطمئنان وبكثير من الحسابات الدقيقة. لا يبحث عن استعراض سياسي، بل عن ترسيخ حضوره في زمن التبدلات البلدية، وتعزيز معادلة “التحالف المرن” في مناطق خارجة عن ساحته التقليدية. هو اختبار محلي، لكنه يحمل في طياته رسائل وطنية أبعد من صندوق اقتراع.
ولا تخفي مصادر الثنائي أن ما يجري ليس مجرّد انتخابات، بل تحدٍّ مباشر في وجه كل محاولات الكسر والحصار. فبعد كل ما تعرّضت له البيئة الحاضنة من ضغوط اقتصادية، وحملات إعلامية، وتهديدات أمنية، تبقى صناديق الاقتراع خير دليل على أن خيار الناس هو المقاومة. لا صواريخ إسرائيل تغيّره، ولا ضغوط واشنطن تقوّضه. هذه الانتخابات، بالنسبة الى الثنائي، ليست انتصاراً بلدياً وحسب… بل تأكيد جديد أن الشراكة بين الناس والمقاومة لا تُهزم.


