عودة الصندوق العربي… أمل مشروط لبلد أنهكته الأزمات

محمد شمس الدين

بعد سنوات من الانهيار والركود، تعود الحياة إلى الشريان الإنمائي في لبنان مع إعلان الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي إعادة تحريك العمل التنموي، في خطوة تحمل رمزية سياسية واقتصادية مزدوجة، وتُعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل تعود الاستثمارات العربية إلى لعب دورها التاريخي في دعم لبنان؟

عهد جديد بدفعة إنمائية

خلال زيارة رئيس الصندوق العربي بدر محمد السعد إلى بيروت، ولقائه كلاً من رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى وزراء معنيين، أُعلن عن توجه جديد يبدّل في نمط عمل الصندوق، بحيث لا يكتفي بالتمويل وحسب، بل يتولى أيضاً إعداد دراسات المشاريع، ما يسرّع الدورة التنفيذية ويقلّص البيروقراطية.

الرئيس عون أكد أن “المرحلة الصعبة باتت وراءنا”، مشدداً على تصميم الدولة على إعادة البناء وفق أسس من الشفافية والحوكمة، وعلى حاجة البلاد إلى “دعم ومساندة الدول العربية الشقيقة، التي وقفت دائماً إلى جانب لبنان”.

أما السعد فأكد التزام الصندوق بتنفيذ القروض الممنوحة للبنان، مع أولوية لقطاع الكهرباء، وأعلن عن استعداد الصندوق لبناء قدرات المؤسسات الرسمية، في مؤشر إلى عودة الثقة بالدولة اللبنانية.

الصندوق العربي: شريك تاريخي يعود

ليست هذه المرة الأولى التي يمدّ فيها الصندوق العربي يده إلى لبنان، فمنذ أكثر من أربعة عقود، ساهم في تمويل مشاريع حيوية في الكهرباء والمياه والنقل والتعليم، وقدّم هبات متنوّعة، لكن العلاقة دخلت مرحلة جمود مع تصاعد الأزمات السياسية والمالية. واليوم، تعود هذه المؤسسة التنموية لتكون أولى المبادرين إلى تمويل المشاريع اللبنانية، في خطوة يراها كثيرون فرصة لإعادة إطلاق عجلة الإنماء.

السعودية: دعم لا ينقطع

بحسب بيانات رسمية صادرة عن “مركز الملك سلمان للإغاثة”، مجلس الأعمال السعودي – اللبناني، وصحف خليجية:

  • أكثر من 70 مليار دولار ضُخت في الاقتصاد اللبناني بين 1990 و2015 (استثمارات، منح، قروض، ودائع).
  • 30 مليار دولار استثمارات بين 2007 و2010، منها 10 مليارات في العقارات والسياحة.
  • 1.2 مليار دولار منح مباشرة للخزينة حتى نهاية 2010.
  • 2.53 مليار دولار مجموع القروض والمنح المباشرة منذ 1980.
  • 1.2 مليار دولار قروض ميسّرة من الصندوق السعودي للتنمية لمشاريع إنمائية وعاجلة.
  • 2.2 مليار دولار قروض من مؤسسات تمويل إقليمية بدعم سعودي.
  • 3 مليارات دولار هبة للجيش عام 2013، لشراء أسلحة فرنسية.
  • 1 مليار دولار هبة لقوى الأمن الداخلي في العام نفسه.
  • 1 مليار دولار وديعة بمصرف لبنان، و500 مليون لإعادة الإعمار، و50 مليون للمساعدات الإنسانية.
  • 4 مليارات دولار ودائع لمستثمرين سعوديين عام 2016 (20% من إجمالي ودائع المصارف).
  • 746 مليون دولار للمشاريع الإنمائية والتربوية والأمنية (63% من دعم الخليج).
  • 734 مليون دولار لإعادة إعمار ما دمرته حرب 2006، وتقديم 4984 طناً من المساعدات ومستشفى ميداني استقبل 120 ألف حالة.
  • 293 مليون دولار لإعمار 208 قرى و36 مبنى في الضاحية، و175 مليون للبنى التحتية، و12 مليون للقاطنين في المخيمات.
  • 84 مليون دولار لتسديد أقساط مدرسية بين 2006 و2009.
  • 200 طن من المساعدات الطبية والإنسانية بعد انفجار مرفأ بيروت.
  • أكثر من 200 مشروع مشترك بين البلدين، منها 108 مشاريع صناعية.
  • 600 مليون دولار سنوياً حجم التبادل التجاري بين لبنان والسعودية.
  • 4.5 مليارات دولار سنوياً قيمة التحويلات المالية من الخليج إلى لبنان، نصفها من السعودية وحدها.

الامارات: دعم قطاعات كبرى

بين عامي 2003 و2016، كانت الامارات المصدر الأول للاستثمارات العربية المباشرة في لبنان، حيث بلغت استثماراتها 7.8 مليارات دولار، ما يُشكّل حوالي 65% من مجمل الاستثمارات العربية في تلك الفترة.

تركّزت الاستثمارات الاماراتية في قطاعات العقارات، المصارف، الفندقية، والاتصالات، وكانت من أبرز الداعمين لمشاريع كبرى في بيروت. كما لعبت الامارات دوراً إنسانياً وإغاثياً في فترات الأزمات، وخصوصاً بعد حرب 2006، وانفجار المرفأ عام 2020، وساهمت في دعم القطاع التربوي عبر منح دراسية ومساعدات غذائية.

قطر: الحضور الثابت رغم الأزمات

لم تنكفئ قطر عن دعم لبنان، فقد ساهمت في:

  • تمويل إعادة بناء المكتبة الوطنية اللبنانية بقيمة 25 مليون دولار.
  • شراء فندق “لو فاندوم” في بيروت.
  • الاستثمار في قطاع الطاقة من خلال شركة “قطر للطاقة” ضمن تحالف مع “توتال” و”إيني”.
  • دعم القطاع الصحي والتربوي عبر مشاريع متعددة منذ عام 2020.

المساعدات الكويتية

تُقدَّر قيمة الاستثمارات والمساعدات الكويتية في لبنان بأكثر من 1.3 مليار دولار، موزعة بين قروض ميسّرة، منح، ومساعدات فنية، وفقاً لإحصائيات الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية.

قدّمت الكويت 27 قرضاً للبنان بقيمة تتجاوز 912 مليون دولار، شملت تمويل مشاريع في قطاعات الكهرباء، المياه، الصرف الصحي، الطرق، والمطارات.

بلغت قيمة المنح والمساعدات الفنية المقدمة من الكويت إلى لبنان حوالي 423 مليون دولار، شملت دعم مشاريع إعادة الإعمار، الصحة، التعليم، والبنية التحتية.

في إطار دعم لبنان في مواجهة أزمة اللاجئين السوريين، خصصت الكويت نحو 82 مليون دولار للمساعدة في تلبية الاحتياجات الانسانية للنازحين والمجتمعات المضيفة.

من الازدهار إلى الانكفاء: تاريخ الاستثمار العربي في لبنان

  • 1950–1975: تدفق كبير للاستثمارات الخليجية في بيروت – عاصمة المال والإعلام.
  • 1990–2005: عودة قوية لرأس المال العربي مع انطلاق مشاريع إعادة الإعمار.
  • 2005–2019: الانكفاء التدريجي مع تصاعد النفوذ الايراني والشلل الحكومي.
  • 2019–2023: شبه انهيار تام، مع انسحاب مستثمرين وتجميد مشاريع.
  • 2024–2025: مؤشرات عودة مشروطة بعد انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة إصلاحية.

فرصة أخيرة.. مشروطة

تبدو الرسائل العربية الأخيرة واضحة: لبنان أمام فرصة جديدة، ولكنها لن تكون مفتوحة إلى الأبد. فالعودة مرهونة بثلاثة شروط:

  1. استقرار سياسي داخلي وتحييد لبنان عن صراعات المحاور
  2. إصلاح اقتصادي ومالي شفاف بإشراف دولي واضح
  3. إعادة الثقة بالمؤسسات لا بالأفراد.

عودة الصندوق العربي للإنماء ليست مجرد دفعة مالية في حساب متعثر، بل إشعار سياسي بأن لبنان لا يزال في الذاكرة العربية، شرط أن يعود هو أيضاً إلى نفسه دولةً ومؤسسات. فالاستثمارات السعودية التي ضخّت عشرات المليارات، والامارات التي شيّدت مشاريع كبرى وقطر التي ثبتت حضورها على الرغم من العواصف، والكويت التي لطالما دعمت كلها رسائل واضحة: الأبواب لم تُغلق، لكن مفاتيحها لم تعد مجانية.

لبنان أمام فرصة نادرة للانبعاث من تحت الركام، لا بالوعود، بل بالإرادة والإصلاح. فإما أن يُعيد بناء الجسور مع عمقه العربي، أو يُضاف إلى قائمة البلدان التي أضاعت أكثر مما رُزقت.

شارك المقال