لم تعد خافيةً على أحد الخلافات القديمة – الجديدة بين رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب في الكثير من الملفات، لا سيما ملف الشرق الأوسط الساخن، والذي على سخونته يشعل الوضع المتأرجح أصلاً بين الحليفين اللدودين.
لم تكن العلاقة يوماً في أحسن حالاتها خصوصاً عندما هنأ نتنياهو جو بايدن بفوزه في وجه منافسه حينها ترامب، وهذه كانت أول سقطة في علاقة ترامب – نتنياهو، حينها شن ترامب هجوماً لاذعاً على رئيس الوزراء الاسرائيلي، متهماً إياه بـ”عدم الولاء”، وأوضح وقتها أنه غضب من الطريقة التي هنأ بها الرئيس بايدن بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وكان تعليقه كالتالي: أول شخص هنأ جو بايدن كان “بيبي” الرجل الذي فعلت من أجله أكثر من أي شخص آخر تعاملت معه. كان يمكن لـ”بيبي” أن يظل صامتاً. لقد ارتكب خطأ فادحاً.
عاد دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة من جديد، على وقع حربٍ في غزة ووقفٍ لإطلاق النار في لبنان، لكن العودة هذه المرة ليست كما السابقة، فترامب جديد ليس بسياساته في المنطقة والعالم وحسب، بل جديد على نتنياهو شخصياً، والذي كما يبدو لم يتوقع أن يواجهه ترامب بهذه الشراسة خصوصاً مع زيارة الرئيس الأميركي الخليجية، إذ إن مسايرة نتنياهو ومجاراته كما كانت في بداية عهد ترامب لم تعد تصب في مصلحة الأخير الذي يعتبر نفسه نعمة على البشرية وهو من يحكم الولايات المتحدة والعالم، ولن يسمح لأحد باعتراض قراراته حتى لو كان أقرب المقربين، ومن الأصلح لهذا اللقب غير “بيبي”، الذي يعيش حالياً صدمة أو بالأحرى مصيبة تجعله قلقاً ومتوتراً مما يفعله به ترامب.
يرى محللون إسرائيليون أن هناك تحولات جذرية في أولويات السياسة الأميركية بالمنطقة، فإدارة ترامب تسعى الى إعادة تشكيل النظام الاقليمي بما يخدم مصالح واشنطن، ويُعزِّز نفوذها عبر تحالفات جديدة، أبرزها التحالف مع السعودية، في حين تراجعت مكانة إسرائيل بوصفها شريكاً إستراتيجياً مركزياً، وعلاقة ترامب – نتنياهو شهدت فتوراً وتمر حالياً “بأزمة” غير معلنة، كما يرون أن نتنياهو يشكل عقبة أمام المساعي الأميركية لإعادة رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، بسبب تمسُّكه بمواقفه المتشددة ورفضه الانصياع الكامل لتوجهات واشنطن.
ويخلص المحللون إلى أن العلاقة بين ترامب ونتنياهو تبقى هشة، وقابلة للانتعاش أو الانهيار، في وقت تسعى فيه واشنطن الى رسم ملامح شرق أوسط جديد، حتى لو استدعى ذلك تجاوز شركاء تاريخيين مثل إسرائيل.
ترامب الذي وصف زيارته الى السعودية وقطر والامارات بالتاريخية، يرى من خلالها محللون أن الرئيس الأميركي يسعى عبر الزيارة الى تحقيق إنجاز ملموس، كتحرير محتجزين أو التوصل إلى اتفاق رمزي، لتعزيز صورته كقائد صانع صفقات، لكن تحقيق ذلك يتطلب مرونة أكبر من إسرائيل، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل تمسك نتنياهو بمواقفه، على الرغم من الضغوط الأميركية المتزايدة. لكن الزيارة على أهميتها، سبقها تحرك لترامب يحمل دلالات بارزة ووازنة، حينما فتحت الادارة الأميركية خط التفاوض غير المباشر مع “حماس”، التي تلقت تأكيدات من وسيط بأن إطلاق سراح عيدان الكسندر سيُحدث فرقاً مع ترامب الذي يرغب في إطلاق سراح بقية الرهائن وإنهاء الحرب في غزة، كل هذا وما جرى بين أميركا و”حماس” عبر وسيط، لم تطلع عليه إسرائيل إلا بعد التوصل الى الاتفاق مع الحركة.
بالرضى أو بالإكراه، استقبل نتنياهو مبعوث ترامب الى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وكانت هناك مكالمة هاتفية مع ترامب لشكره على تحرير الكسندر، لينتهي الأمر بنتنياهو الى الإيعاز بإرسال بعثة تفاوض الى الدوحة.
كل ذلك أنهاه ترامب قبل زيارته الخليجية، وكان قبله أنهى الملف الروسي – الأوكراني وأعاد فتح الباب مع الصين، ناهيك عن الملف الايراني الذي سينهيه هو بنفسه كما يبدو من دون الاستعانة بنتنياهو الذي لن يسمح له الوقت حتى بالاعتراض.
زيارة خليجية تبدأ من المملكة العربية السعودية التي تستضيف قمة خليجية أميركية، على مستوىً عالٍ من الأهمية لحل العديد من مشكلات المنطقة وعلى رأسها ما تطالب به المملكة أي قيام دولة فلسطينية، فهل يعلنها ترامب ويخربط حسابات نتنياهو المنزعج والمشوش من كل ما جرى وسيجري؟


