في لحظة مفصلية من تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، بدأ البابا لاون الرابع عشر عهده الجديد حاملاً رؤية تتطلع إلى الوحدة والسلام. مقال في موقع Il Messaggero الايطالي سلّط الضوء على مراسم التنصيب الرمزية والمواقف الأولى التي عبّر عنها البابا الجديد، مسجلاً بداية فصل جديد في مسيرة الكرسي الرسولي، يحمل معه آمال الملايين حول العالم.
ومع تسلمه خاتم الصياد الذي يرمز إلى السلطة البابوية من الكاردينال لويس أنطونيو تاغلي، بدا على البابا لاون الرابع عشر تأثر بالغ لم يستطع إخفاءه، وكأنه شعر حينها بثقل الأمانة التي ألقيت على عاتقه. التقط أنفاسه، حسب ما نقرأ في المقال، ورفع عينيه نحو السماء، ثم ألقى نظرة سريعة على الخاتم الذي سيرتديه إلى الأبد، وقد أصبح رمزاً للآمال المعقودة عليه.
التطلعات والآمال الكبيرة
في ساحة القديس بطرس كما في داخل الكنيسة، يدرك البابا الجديد حجم الآمال المعلقة عليه، ليس من الكرادلة الذين انتخبوه ويأملون في أن يكون قادراً على رأب الصدع بين التيارات الليبرالية والمحافظة فحسب، بل أيضاً من ملايين المؤمنين الذين يتطلعون إلى قيادة تعيد لهم الثبات واليقين. ومن بين هؤلاء أيضاً المهمّشون والمهاجرون والفقراء الذين أحبهم البابا فرنسيس، فضلاً عن الشعوب التي تعاني من الحروب، بل وحتى أولئك الذين يبحثون عن معنى للحياة.
في تلك اللحظة، وتحت أنظار العالم، استجمع لاون الرابع عشر قواه. ورصدت الكاميرات اللحظة الحاسمة لتسليمه الرموز البابوية. أغمض البابا عينيه وضمّ يديه ووقف متأملاً في صلاة صامتة. هكذا بدأت خدمته البطرسية، أمام حشد من مئتي ألف شخص، وأكثر من 150 وفداً ديبلوماسياً من رؤساء دول وملوك وأمراء ووزراء، إضافة إلى أناس عاديين من مختلف الخلفيات. انطلق قداس التنصيب الرسمي بحضور جماهيري مهيب، على متن سيارة البابا المتنقلة، والتي كانت قد أُهديت إلى البابا فرنسيس العام الماضي.
بدا لاون وكأنه مارس هذا الدور طوال حياته: يُلوّح للحشود ويُقبّل الأطفال، مندمجاً في لحظة الحدث كلياً، فيما اجتاحت الحشود موجات من الفرح ورفرفت الأعلام من مختلف الجنسيات: الأميركية واللبنانية والاسرائيلية والفرنسية والألمانية والكوبية والاكوادورية والبرازيلية.
وأعلن البابا لاون الرابع عشر بكل وضوح، أنه لا يريد أن يكون “قائداً وحيداً” أو “رأساً يعلو على الآخرين، فيصبح سيداً على من أوكلوا إليه”. بل يريد أن يكون أباً وراعياً يجمع الأرواح المختلفة وخميرة للوحدة، داخل الكنيسة وخارجها، في عالم ممزق ومهدد، تسوده الفجوة بين الشمال والجنوب، وتنهشه الصراعات.
كما أن شعاره المستوحى من كلمات القديس أغسطينوس لا يعكس التوجه اللاهوتي لعصره البابوي فحسب، بل يبدو الأساس الذي سيقوم عليه عمله المستقبلي في السلام والديبلوماسية والعمل المسكوني.
الخطبة التي ألقاها كانت مقتضبة وخالية من الزخارف، تعكس شخصيته كراهب أغسطيني.. مشبعة بالروحانية، وتجمع بين الشغف بالعدالة (بفضل دراسته للقانون الكنسي) والميول المنطقية كعالم رياضيات، دعا فيها إلى تواضع الإيمان ووحدته وإلى الانفتاح والإنصات والوثوق بالآخر بدلاً من التعالي والانغلاق.
حضور سياسي لافت
وشهدت المناسبة كما في جنازة البابا فرنسيس، حضوراً كثيفاً لقادة سياسيين، أبرزهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي صافح نائب الرئيس الأميركي في أول لقاء بينهما منذ الخلاف العلني في مارس (آذار) الماضي في البيت الأبيض.
وبالفعل، انطلقت عجلة الديبلوماسية في روما حيث أجرى البابا لقاءً مع زيلينسكي. وكان قد وصف الغزو الروسي لأوكرانيا، حين كان أسقفًا، بأنه “حرب إمبريالية تهدف الى توسيع نفوذ بوتين”. أما الآن، فلا يزال من غير الواضح كيف سيتعامل مع هذا الملف الشائك. اللافت أن المندوب الروسي غاب عن القداس على الرغم من الاعلان عن حضوره، وذُكر أن السبب يعود الى عدم الاتفاق على مسار الرحلة الجوية.
وفي ختام القداس، دعا البابا مجدداً الى مفاوضات من أجل أوكرانيا، ساعياً إلى “سلام عادل ودائم”. كما وجه نداءً من أجل أطفال غزة الذين “يعانون من الجوع”.
القداس والطقوس
بدأ القداس بموكب البابا والبطاركة الشرقيين إلى قبر القديس بطرس تحت البازيليك الفاتيكانية. وهناك، تلا صلاة رفع البخور، قبل أن يصعد لمشاركة الكرادلة طقوس بداية الحبرية. أدى الطقوس الأساسية الكاردينال زيناري بدلاً من مامبرتي الذي اعتذر لوعكة صحية. وأدى ثلاثة كرادلة القسم باسم القارات الثلاث: ليو عن أميركا الشمالية، سبينغلر عن أميركا الجنوبية، وريبات عن أوقيانوسيا. كما أدّى ممثلون عن الشعب اليمين، ومن بينهم راهبة ترأس اتحاد الرئيسات العامات وعائلة بيروفية من روما، تعود جذورها إلى شيكلايو المدينة التي خدم فيها البابا كأسقف، وحيّا أهلها باللغة الاسبانية من شرفة البركات عقب انتخابه.
وهكذا بدأ مشوار بابا ينتمي إلى ثلاثة عوالم: شيكاغو الأميركية وشيكلايو البيروفية وروما الرسولية، مقر الكنيسة الكاثوليكية العالمية، في مهمة تحمل السلام والرجاء والعدل للعالم أجمع”.


