ترامب يفشل في أوكرانيا

حسناء بو حرفوش

استعرضت قراءة في موقع صحيفة “واشنطن بوست” ما اعتبرته “إخفاقاً أميركياً في محاولة إنهاء الحرب في أوكرانيا”. وحسب المقال، “على الرغم من تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحقيق السلام ووقف حمّام الدم خلال ولايته الثانية، كشفت الوقائع حتى الساعة أن ديبلوماسيته المتخبطة وتنازلاته المتكررة لروسيا، وعلاقاته غير التقليدية مع شخصيات نافذة أدت إلى إضعاف الموقف الأميركي وفشل مبادرته للسلام، ما ينذر بعواقب جسيمة على الولايات المتحدة وعلى استقرار أوروبا”.

ووفقاً للمقال الذي حمل عنوان “طريق ترامب إلى الفشل في أوكرانيا”، فان “ترامب لم يقترب من السلام على الرغم من كل جهوده. ومع ذلك، كان بإمكانه فرض العقوبات التي هدد بها روسيا منذ أشهر، وإظهار الجدية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لكنه لم يفعل وبالتالي، قد تنهار أهم مبادراته في السياسة الخارجية على الأرجح، وتستتبع بعواقب عنيفة قد تُلازمه طوال فترة حكمه.

لحظة حاسمة في الملف الأوكراني

بعد مكالمته الهاتفية مع بوتين يوم الاثنين، حاول ترامب إعلان الانتصار وتحويل ملف المفاوضات إلى روسيا وأوكرانيا. ولكن استعراض جهود السلام في أوكرانيا يكشف قصة مقلقة، فترامب يدرك جيداً حجم المعاناة وقد تعهد مراراً بإنهاء الحرب. إلا أن ديبلوماسيته العشوائية أسفرت عن سلسلة من البدايات الخاطئة بحيث يُطلق المبادرات من دون أن يُكملها ويُهدد بوتين من دون تنفيذ ويضغط على أوكرانيا أكثر من روسيا نفسها.

أما بوتين، فلعب أوراقه بذكاء أمام الرئيس الجديد على الرغم من موقفه الضعيف. فأنشأ قناة تواصل خلفية بين كيريل دميترييف، مدير صندوق الثروة السيادي الروسي، وستيف ويتكوف، رجل العقارات المقرب من ترامب. وعرض دميترييف صفقة تبادل أسرى على ويتكوف وفُتحت القناة الخلفية رسمياً. وفي اليوم التالي لتحرير الأسير الأميركي، اتصل ترامب ببوتين. ناقشا “تسوية محتملة في أوكرانيا”، لكن الرواية الروسية أظهرت خلافاً قائماً حتى الآن. ترامب أراد “وقف الأعمال العدائية بأسرع ما يمكن”، فيما أصر بوتين على “معالجة جذور النزاع”، في إشارة إلى مطلبه القديم بالهيمنة على أوكرانيا. وعلى الرغم من ذلك، اتفقا على “العمل معاً”.

لقد كشف ترامب أهم أوراقه باكراً: إنهاء عزل بوتين. وفي الأسبوع نفسه، قدم وزير الدفاع بيت هيغسث تنازلين إضافيين من دون مقابل، بإعلانه أن أوكرانيا لن تنضم الى الناتو، وأن عليها التنازل عن أراضٍ مقابل السلام.. تفاوض بدأ من موقع ضعف. ثم ضغط ترامب على أوكرانيا.. زار وزير الخزانة سكوت بيسنت كييف في 12 فبراير (شباط) وطالب زيلينسكي بالتوقيع على اتفاق يمنح الولايات المتحدة حصة من عائدات أوكرانيا المعدنية المستقبلية. رفض زيلينسكي، فغضب ترامب.

ووجه ترامب صفعة مهينة لزيلينسكي خلال مشهد متلفز من المكتب البيضاوي في 28 فبراير. حاول زيلينسكي، المنهك، الاشارة إلى أن روسيا ليست شريكاً موثوقاً، لكن ترامب نهره. ثم علّق الدعم العسكري والاستخباراتي في مارس (آذار). خضع زيلينسكي، لكن الحلفاء الأوروبيين شعروا بالذعر، وتحول المشهد إلى نقطة تحفيز لدعمهم المتزايد لأوكرانيا. حاول فريق ترامب أولاً التوصل إلى هدنة مؤقتة لـ30 يوماً تشمل الطاقة والهجمات البحرية. وبدلاً من تجاوز هذه العقبة، لجأ الفريق الأميركي إلى مقارنة “شروط الصفقة” بين الطرفين. سافر ويتكوف إلى سان بطرسبرغ في 11 أبريل (نيسان) لصياغة قائمة مقترحات، وتمت مراجعتها في باريس يوم 17 أبريل، ثم صياغة رد أوكراني – أوروبي مشترك في لندن يوم 23 أبريل.

بدا أن الخلافات بدأت تضيق. ثم زار ويتكوف موسكو مجدداً في 25 أبريل، لكن بوتين رفض وقف إطلاق النار واستمر في قصف كييف. اقترب ترامب قليلاً من زيلينسكي خلال لقاء خاص في الفاتيكان في 26 أبريل، ثم نشر منشوراً ألمح فيه إلى أن بوتين ربما يخدعه. لكن بوتين لم يتراجع. أُلغي اجتماع ويتكوف في موسكو يوم 8 مايو (أيار) بعد أن رفضت روسيا بحث الاقتراح المؤلف من 22 نقطة الذي صيغ في باريس ولندن.

تحوّلت الاستراتيجية الأميركية إلى “الديبلوماسية الشخصية” من جديد. لمح ترامب الى إمكان لقاء بوتين في تركيا خلال زيارته للشرق الأوسط. لم يتجاوب بوتين، فتراجع ترامب. وبغياب بوتين، لجأت الادارة إلى مفاوضات بين ديبلوماسيين. لكن لقاء إسطنبول يوم 16 مايو لم يسفر إلا عن صفقة تبادل أسرى. رفضت روسيا الهدنة، وترامب بدا مستعداً للرضوخ.

بلغت هذه المسرحية ذروتها في مكالمة ترامب الأخيرة مع بوتين يوم الاثنين. أصدر ترامب بياناً متفائلاً زاعماً أنه أطلق “مرحلة جديدة من المفاوضات المباشرة”، فيما كان قبل أيام فقط يقول إنه وحده وبوتين قادران على وقف الحرب. أما البيان الروسي فأتى حاداً وفرض الهيمنة الروسية على أوكرانيا.

في النهاية، قد تُستأنف المفاوضات، لكن الصواريخ ستستمر في السقوط على كييف.. في بعض الأحيان، تكون الديبلوماسية التاريخية ملتبسة، الا أن نتائج مفاوضات أوكرانيا واضحة وضوح الشمس: روسيا رفضت وقف القتال إلا بشروطها. وترامب، الوسيط الطامح، سمح لبوتين بذلك حتى الآن. وما لم ينفذ ترامب تهديداته أخيراً، سيكون قد طوى صفحة أهم مبادراته الخارجية بفشل ربما يطارد رئاسته الثانية”.

شارك المقال