كشف الخفاء عن شدّ الحبال بين واشنطن وطهران!

جورج حايك

تُعتبر المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران حدثاً محورياً في المنطقة والعالم، لما لها من تداعيات على مسألة السلاح النووي الايراني. فالادارة الأميركية لا تفاوض طهران إلى أجل غير مسمى، ولن تقبل بالمساومة في الملف النووي؛ إذ إنّ نتيجة الاتفاق ستكون إمّا التخلّي عن البرنامج النووي العسكري، أو فشل الاتفاق وتوجيه ضربة قاصمة الى المنشآت النووية تنهي حلم إيران في هذا المجال.

لكن، ماذا يجري في الكواليس؟

من الواضح أن هذه المفاوضات تتّسم بطابع سري، إلا أن ما يُسرّب من معلومات يكشف بعض ملامح الاتجاه الذي تسلكه، وما تطلبه واشنطن وترفضه طهران، وربما يكشف خيارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإسرائيل، وانعكاسات الاتفاق النووي على “حزب الله” في لبنان.

يرغب ترامب في التوصّل إلى اتفاق مع النظام الايراني، محاولاً تجنّب خيار الحرب، إلا أن مناورات الوفد الايراني المفاوض تدفع واشنطن إلى إبقاء هذا الخيار مطروحاً على الطاولة. وحتى لو فشلت المفاوضات، تشير معطيات من العاصمة الأميركية إلى أن ترامب لا يريد حرباً إقليمية، بل ضربة خاطفة وموجّهة الى المنشآت النووية، قد تضع حدّاً للتهديد القائم منذ 25 عاماً، والذي لا يهدّد أميركا وإسرائيل فحسب، بل يطال أيضاً شركاء أميركا العرب والاقتصاد العالمي. وما يعزّز هذا السيناريو هو التراجع الكبير الذي أصاب الأذرع العسكرية الايرانية مثل: “حماس”، “حزب الله” و”الحوثيين”، ما قد يحدّ من احتمالات التصعيد، ويُرجّح أن تمتص إيران الضربة من دون أن تبادر إلى ردّ فعل حفاظاً على بقاء نظامها.

إذاً، تواجه الولايات المتحدة ثلاثة خيارات في هذا المفترق الحرج:

  1. عدم اتخاذ أي إجراء، والقبول بإيران نووية.
  2. محاولة التوصّل إلى حلّ ديبلوماسي.
  3. التعاون مع إسرائيل وشركاء إقليميين لتدمير البنية التحتية النووية الايرانية من خلال ضربة عسكرية.

وتختلف هذه الخيارات في درجات المخاطر التي تنطوي عليها.

تُجمع المعطيات على أن الادارة الأميركية لا يمكن أن تتساهل مع إيران نووياً، وذلك لأسباب عدّة:

أولاً، عدائية النظام الايراني تجاه الولايات المتحدة، إذ هاجم مصالحها وجنودها مراراً في الشرق الأوسط. ولا يغيب عن الذاكرة الأميركية تفجير ثكنات مشاة البحرية في بيروت عام 1983، الذي أودى بحياة 241 شخصاً، فضلًا عن مقتل أكثر من 603 أميركيين في العراق بين عامي 2004 و2011.

ثانياً، تهديد إيران لإسرائيل، الحليف الأقرب للولايات المتحدة في المنطقة.

ثالثاً، احتمال اندلاع سباق تسلّح نووي إقليمي، إذ إن التساهل الأميركي مع إيران قد يدفع السعودية، بوصفها قوة إقليمية منافسة، إلى تبنّي برنامج نووي عسكري.

رابعاً، تمكين إيران من التحكّم بتدفق الطاقة من الخليج العربي، وهو ما يُعتبر مصلحة حيوية للأمن القومي الأميركي منذ إعلان “عقيدة كارتر” عام 1980.

وتفيد المعطيات الواردة من واشنطن بأن السبب الرئيسي لسعي إيران إلى التفاوض مع إدارة ترامب هو إطالة أمد المفاوضات. فكل يوم تكسبه إيران يُعدّ فرصة لإعادة بناء دفاعاتها الصاروخية التي دمرتها إسرائيل في تشرين الأول الماضي، ولمواصلة تخصيب اليورانيوم والبلوتونيوم. ولهذا، تميل الادارة الأميركية إلى فرض جدول زمني صارم لعملية التفاوض، وإلا فإن إيران ستواصلها إلى ما لا نهاية، أو على الأقل حتى 25 تشرين الأول 2025.

تشترط الادارة الأميركية، ممثّلة بمبعوثها الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، أحد أبرز أعضاء الفريق الديبلوماسي الأميركي المفاوض، وقفَ تخصيب اليورانيوم، وتطالب بتفكيك منشآت التخصيب بصورة نهائية.

تطمح إدارة ترامب إلى انتزاع تنازلات حقيقية من النظام الايراني بسرعة، تشمل تعليقاً صارماً للبرنامج النووي، وتفكيكاً كاملاً لمنشآت التخصيب، ومحاسبة شاملة للأنشطة ذات الطابع العسكري، ومعالجة ملف الصواريخ والأذرع العسكرية الاقليمية، وذلك قبل تقديم أي مساعدات اقتصادية. ويعتقد ترامب أن التوصل إلى اتفاق لن يكون ممكناً إلا إذا اقتنعت إيران بوجود تهديد حقيقي باستخدام القوة العسكرية.

تشير المعطيات إلى أن المهلة لن تتجاوز أواخر الصيف. فإذا فشلت المفاوضات، سيصبح تنفيذ ضربة عسكرية أميركية-إسرائيلية مشتركة مرجّحاً. أما التخوّف من نشوب صراع إقليمي واسع، فهو وارد، لكن ليس محتماً، كما أظهرت التجارب السابقة، مثل ضربتي إسرائيل للبرامج النووية في العراق (1981) وسوريا (2007)، اللتين لم تؤدّيا إلى صراعات إقليمية شاملة.

وقد أدّت عملية اغتيال قاسم سليماني عام 2020، والضربات الصاروخية الاسرائيلية المباشرة على إيران عام 2024، إلى نتائج محدودة من دون ردّ إيراني كبير.

تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل قدرات كافية لتنفيذ ضربة فعالة ضد البرنامج النووي الايراني من دون خسائر بشرية كبيرة، مع القدرة على ردع أي رد انتقامي واسع. فإيران اليوم أكثر ضعفاً وهشاشة من أي وقت مضى، وهي تدرك تماماً حجم القدرة الاسرائيلية، والتي تصبح أكثر فعالية في حال وجود دعم أميركي مباشر.

واللافت أن مؤشرات عديدة تفيد بأن إسرائيل تنوي توجيه ضربة خاطفة الى المنشآت النووية الايرانية بمفردها. وتبدو لدى رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو رغبة قوية في ذلك، وهو يراقب تطوّرات المفاوضات الأميركية-الايرانية عن كثب. وقد يُقدم على هذه الخطوة إذا شعر بأن الصفقة المرتقبة لن تؤدي إلى إزالة مخزون اليورانيوم الايراني. وتدلّ على ذلك الاستعدادات العسكرية الاسرائيلية الواضحة، من نقل ذخائر جوية إلى تنفيذ مناورات جوية. وعلى الرغم من أن هذه التحركات قد تكون للضغط على إيران، فإنها تشير أيضاً إلى جاهزية لتنفيذ الضربة.

لا شيء يمنع نتنياهو، المتفاجئ بمرونة ترامب تجاه إيران، من قلب الطاولة، خصوصاً إذا شعر بوجود “صفقة سيئة”. وقد يُقدم على ذلك سرّاً أو علناً، إلا أن ترامب يستبعد هذا الخيار في حال التوصّل إلى اتفاق.

أما القسم الأخير من الاتفاق النووي، فسيتمحور حول سلاح الأذرع العسكرية، لا سيما “حزب الله”. وتشير المعطيات إلى أنه، في حال توصّلت واشنطن إلى اتفاق مع طهران، فسيتم تضمين وقف الدعم الايراني لـ”الحزب”. أما إذا فشلت المفاوضات، فسيعود الخيار العسكري الحاسم ضد “الحزب” إلى الواجهة.

بصرف النظر عن ذلك، يجب على السلطات اللبنانية المبادرة إلى نزع سلاح “الحزب” وتحييد لبنان عن أي تداعيات عسكرية قد تترتب على فشل المفاوضات النووية. فقوة لبنان تكمن في ابتعاده عن الصراعات الاقليمية، وكلما سارع القادة اللبنانيون، وفي مقدّمهم الرئيسان جوزاف عون ونواف سلام، إلى هذا الخيار، كان لبنان أكثر أمناً واستقراراً.

شارك المقال