بعد كل ما جرى ويجري، يحاول “حزب الله” الظهور بأنه قوي في المعادلة اللبنانية، بغض النظر عما كلفه ارتباطه بإيران من خسائر كبيرة جداً، فهو يستغل أي مناسبة للقول إنني على الرغم من كل شيء لا زلت موجوداً بفكري المقاوم ضمن مؤسسات الدولة اللبنانية، وهذا ما دلت عليه مشاركته في الانتخابات البلدية والتي تجلت من خلال ما تابعناه من عملية الاقتراع خصوصاً في المرحلة الأخيرة في محافظة الجنوب، فـ”حزب الله” وإن لم يستطع استعادة فرض سيطرته السابقة على الكثير من المناطق والتي فرض نفسه فيها عبر تحالفه مع “التيار الوطني الحر” أو بالقوة، إلا أنه حافظ على وجوده الشعبوي والتنموي في بعلبك والجنوب أي في معاقله، من دون أن ننسى أنه حقق مقاعد بلدية في العاصمة، من خلال تحالف ما يُسمى الثنائي مع لائحة فؤاد مخزومي و”القوات” و”الأحباش”.
كل هذا لا يعني أن شعبية الحزب وصلت الى قناعة تسليم السلاح الذي يطالب به العديد من الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة، بدليل الشعارات التي رُفعت في مناطق الثنائي، والتي وإن كانت عملياً اقتراعاً بلدياً إلا أنها أوحت بأن جمهور الحزب لا زال متمسكاً بفكرة سلاحه المقاوم الذي لا يريد التنازل عنه، لأن اسرائيل لم تلتزم بتطبيق اتفاق وقف اطلاق النار من جهة، ومن جهة ثانية ينظر جمهور الحزب الى هذا السلاح على أنه حمى لبنان كما حماه، ولولا المقاومة لما كان هناك تحرير للأرض، على الرغم من أن هذه الأفكار لم تعد موجودة لدى عدد لا بأس به من البيئة الحاضنة، وهي التي تستشعر المرحلة القادمة بعقلانية أكثر ووعي مختلف عن ذي قبل وقناعة جديدة بأن الآتي لن يكون كالسابق.
من الواضح أن “حزب الله” يريد المشاركة في الاستحقاقات الوطنية بصورة كبيرة في اشارة واضحة الى إثبات الوجود، لكن في الوقت نفسه يراوغ في موضوع السلاح اذا صح القول وقيادته تعلم جيداً أن لا مجال الا بالوصول الى تسوية في هذا الموضوع، والتي باتت مطلباً داخلياً وخارجياً. الا أن الحزب العارف أكثر من غيره بالمجريات كافة، استبق الانتخابات البلدية بشعارات المقاومة خصوصاً وأن “عيد المقاومة والتحرير” صادف يوم الأحد لتُجرى الانتخابات يوم السبت، في دلالة أخرى على استغلال المناسبات لتجييش الأرضية، مع العلم أن انتخابات الجنوب جرت تحت العين الاسرائيلية ورافقتها اتصالات مع كل الأطراف لتمرير يوم انتخابي هادئ.
وما بين المواقف المرنة لكن الموجهة لرئيس الجمهورية جوزاف عون، وبين المواقف العالية لرئيس الحكومة نواف سلام والمواقف الدولية والعربية القائلة بنزع السلاح مقابل الاعمار، رفع “حزب الله” شعار الاعمار الى جانب شعار المقاومة في الانتخابات، وهو يعي جيداً أنه لم يعد لشعاراته أي نفع في ظل كل ما يجري من متغيرات في المنطقة، لكنه راهن على الانتخابات عبر حث الناخبين الجنوبيين على الانتخاب وسعيه الى إظهار أنه لا يزال يتمتع بنفوذ سياسي على الرغم من الضربات الموجعة التي تلقاها في الحرب مع إسرائيل.
“حزب الله” الذي يتعامل مع الواقع بالوعي مرة وباللاوعي مرة أخرى، اعتبر أن هذه الانتخابات لها أهمية أكثر من سابقاتها، فهي تتزامن مع ثلاث نقاط مهمة: الدعوات لنزع سلاحه، استمرار الضربات الاسرائيلية، قاعدته الشعبية والتي يواجه معها وضعاً لا يحسد عليه، لجهة تداعيات الحرب وانعكاساتها عليها مادياً ومعنوياً، فالحزب لم يستطع تقديم الا ما تيسر ولن يكون بمقدوره توفير المبالغ المطلوبة لاعمار ما تهدم على مساحة كبيرة من الجنوب والبقاع والضاحية.
صحيح أن نتائج الجنوب كرّست نفوذ الأحزاب، الا أن المشهد العام لم يكن كما في السابق، و”حزب الله” الذي حاول ايصال رسالة الى الداخل والخارج من خلال البلديات، انتبه جيداً عبر دراسة حسابية احصائية بسيطة، الى أن الأمور لن تبقى لصالحه لا على المدى المتوسط ولا حتى البعيد، فهل يتدارك هذا الوضع ويذهب بخطاب مرن يحاكي فيه طرح الحوار والتنسيق مع رئيس الجمهورية لوضع ملف السلاح على الطاولة والخروج بتسوية ليكون شريكاً في الانتخابات النيابية، أم أنه سيبقى حاملاً لشعار المقاومة مع التصعيد في وجه كل من يقول بضرورة انتفاء وجود سلاح غير شرعي على الأراضي اللبنانية كافة؟ في الحقيقة هو الوحيد -أي الحزب- القادر على الاجابة بانضمامه الى أحزاب لبنان في السياسة، لكنه بالتأكيد لم يعد قادراً على جولة جديدة من المواجهة التي تهدد بها اسرائيل ومن ورائها واشنطن.


