“ستارلينك”… انترنت المستقبل أم وحش “الداتا”؟

محمد شمس الدين

بين الجدل السياسي والرهان التكنولوجي، يقترب لبنان من لحظة مفصلية في تاريخ اتصالاته: دخول خدمة الانترنت الفضائي “ستارلينك” إلى السوق اللبنانية. المشروع الذي تقوده وزارة الاتصالات، أصبح في مراحله الأخيرة، بعدما أُزيلت العوائق السياسية وتوصّل الجانبان إلى اتفاق مبدئي يُتوقّع أن يُنفّذ بدءاً من حزيران الجاري، وفق مصادر مطلعة على مجريات المفاوضات.

لكن هذا التطور، الذي يوصف بـ”الثوري” في قطاع يعاني الإهمال والفساد، لا يخلو من تعقيدات تتعلق بالاقتصاد والسيادة والأمن السيبراني، إضافة إلى سؤال جوهري: هل نحن أمام خدمة إنترنت… أم سلاح سيادي جديد في يد واشنطن؟

ما هي “ستارلينك”؟

“ستارلينك” هي خدمة إنترنت فضائي طوّرتها شركة “سبيس إكس” التي يملكها الملياردير الأميركي إيلون ماسك. تقوم على شبكة من آلاف الأقمار الاصطناعية التي تدور في مدار منخفض حول الأرض، وتوفّر إنترنت عالي السرعة من دون الحاجة إلى بنى تحتية أرضية. وهي خدمة تُستخدم حالياً في أكثر من 60 بلداً، من بينها أوكرانيا، حيث وُظّفت لدعم الاتصالات العسكرية في الميدان.

يتم تركيب جهاز استقبال بسيط (Dish) على سطح المنزل أو المؤسسة، مع جهاز توزيع داخلي، ويوفّر الاتصال مباشرة من القمر إلى المستخدم. وهو ما يختصر الحاجة إلى “أوجيرو” أو شبكات الخلوي، ويجعل “ستارلينك” شبكة قائمة بذاتها داخل الدولة.

وحش رقمي يتقدّم: داتا المستخدمين هي الوقود

ما لا يعلنه كثيرون هو أن قوّة “ستارلينك” الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا الفضائية وحسب، بل في احتكار بيانات المستخدمين (User Data) وتحليلها واستثمارها، وهو ما يجعل من خدمات إيلون ماسك، من “ستارلينك” إلى “تويتر” (X)، أدوات ضخمة لجمع البيانات الشخصية في أنحاء العالم.

التحكم بالبنية التحتية الرقمية بات السلاح الجديد في السياسة والاقتصاد والأمن. فالشركات الكبرى لم تعد تبيع خدمات فقط، بل تملك “رؤية كاملة” للخرائط الرقمية الوطنية، أنماط الاستخدام، التوزّع السكاني، والقطاعات الحيوية. هذه القوة الناعمة تُترجم لاحقاً إلى قدرة على الابتزاز أو التحكّم غير المباشر.

سلاح جيوسياسي

لم تعد “ستارلينك” مجرّد خدمة إنترنت، بل أداة جيوسياسية في يد الولايات المتحدة. ففي أوكرانيا، تم استخدامها كوسيلة ربط آمنة بين القوات على الأرض ومراكز القيادة. وفي المقابل، قامت “ستارلينك” بقطع الانترنت عن مناطق محددة في غزة خلال العدوان الاسرائيلي، ما أثار جدلاً عالمياً حول استخدام الانترنت كسلاح ضغط بيد شركات أميركية تتصرّف وفق مصالح حكومتها.

هذا النوع من التحكم لا يشبه انقطاعاً عادياً للخدمة، بل يشبه قراراً عسكرياً يُنفَّذ من غرفة إدارة خاصة، ما يجعل من “ستارلينك” ليس مشغلاً للاتصالا وحسبت، بل منصة قادرة على تعطيل التواصل الرقمي أو إبقائه وفق الهوى السياسي للبلد الأم.

لبنان في قلب المعادلة

لبنان، الذي يعاني من هشاشة البنية الرقمية، لا يملك رفاهية تجاهل التطور التكنولوجي، لكنه أيضاً لا يستطيع القفز فوق حقائق السيادة. فدخول شركة مثل “ستارلينك” إلى السوق يعني فتح المجال أمام شبكة اتصالات موازية غير خاضعة لرقابة الدولة، ولا تمرّ عبر “أوجيرو” أو أي بنية رسمية.

وهو ما دفع الأجهزة الأمنية في الحكومة السابقة، خلال اجتماع موسع مع وزارة الاتصالات، إلى إبداء هواجس حقيقية حول سلامة المعطيات الشخصية، وملكية الداتا، وهوية الجهات الممولة والمشغّلة، واحتمال وجود صلات خفية مع أطراف إسرائيلية، ولم يتم توضيح إذا ما تم تبديد هذه الهواجس.

الشركات المحلية في مهب الريح

وصف البعض الوضع الحالي بـ “ستارلينك” تدخل إلى السوق كوحش قادر على ابتلاع الأسماك الكبيرة. شركات الإنترنت الخاصة (ISPs) عبّرت عن رفضها دخول هذا “الحوت الفضائي”، الذي لا يُخضع نفسه للقوانين اللبنانية، بل يعمل بتشريع دولي وسيادة فوق وطنية.

ووفق تقديرات هذه الشركات، فإن “ستارلينك” ستخطف 25% على الأقل من زبائنها من الشركات والمؤسسات خلال الأشهر الأولى، ما يعني ضربة قاصمة لاقتصاد رقمي هش أصلاً، وتحويل جزء كبير من الأرباح إلى الخارج من دون أي استثمار في السوق المحلي.

كلفة “المستقبل”: من يدفع ومن يربح؟

وعلى الرغم من وعود الوزارة بأن الاشتراك لن يتجاوز 100 دولار شهرياً، فإن الكلفة الإجمالية لا تزال مرتفعة بالمقارنة مع دخل اللبنانيين، إذ يبلغ سعر الجهاز الأساسي بين 350 و500 دولار، فيما تحتاج الشركات إلى اشتراكات مخصصة تصل إلى 111 دولاراً شهرياً بسعة 500 غيغابايت. لكن الأخطر هو أن الكلفة الأكبر قد لا تكون مادية، بل سيادية وأمنية.

بين الأمل في الاتصال السريع من فوق، والخوف من فقدان الأرض تحت الأقدام، يقف لبنان اليوم أمام لحظة تقرير مصير رقمي. دخول “ستارلينك” ليس تفصيلاً تقنياً، بل قرار استراتيجي يرتبط بموقع لبنان في الصراع على السيطرة الرقمية عالمياً.

فهل نربح المستقبل عبر السماء أم نخسر السيادة ونحن ننظر إلى الفضاء؟

شارك المقال