ترتفع من جديد حرارة الترقب في لبنان، وكأن البلاد تسير على خيط رفيع يفصل بين التهدئة المؤقتة والانفجار الكبير. لا يقتصر هذا الشعور على التحليلات الصحافية أو همسات الشارع، بل يتردد على لسان مسؤولين سياسيين، وحتى داخل “حزب الله” نفسه، الذي أعلن بوضوح أنه لن يبادر إلى الحرب، لكنه لن يقف مكتوف الأيدي إن وسّعت إسرائيل هجماتها.
الخشية من حرب شاملة ليست وليدة وهم، بل مدفوعة بجملة معطيات سياسية وعسكرية. فإسرائيل تُكثف تحرّشاتها، وتلوّح بتوسيع عملياتها ضد أهداف محددة في العمق اللبناني، بينما يُنذر الموقف الأميركي بمرحلة أكثر صرامة، ليس تجاه الحزب وحسب، بل تجاه الدولة اللبنانية ككل.
الرسائل الأميركية لا تحتمل اللبس: دعم استمرار مهام قوات “اليونيفيل” في الجنوب بات مشروطاً بخطوات جدية لنزع سلاح “حزب الله”، وتلميحات إلى أن واشنطن لن تقف طويلاً عائقاً أمام “جموح” إسرائيل العسكري إن لم يُباشر لبنان عملية تفكيك الترسانة الصاروخية للحزب. بل إن إدارة دونالد ترامب، ضربت مثلاً بالرئيس السوري أحمد الشرع، مطالبةً لبنان “بالتمثل به”، في مشهد يفتح الباب أمام “وصاية ناعمة” تُرسم خطوطها في الغرف المغلقة.
في هذا المشهد المُربك، تقف فرنسا، الدولة التي كانت تُعد نفسها “الأم الحنون” للبنان، على مسافة قلقة. فباريس، على الرغم من تراجع نفوذها التاريخي، لا تزال تتابع الملف اللبناني عن كثب، وتحاول الحفاظ على ما تبقى من دور لها. وفي هذا السياق، تكشف مصادر مطلعة لموقع “لبنان الكبير” أن الاليزيه يتوجّس من عودة الحرب، ويذهب أبعد من ذلك حين يُعبّر عن قناعة بأن إسرائيل تتهيأ لشن عملية عسكرية واسعة، قد تصل إلى احتلال مناطق جنوب الليطاني، وربما إعادة رسم حدود نفوذها إلى ما قبل تحرير العام 2000.
لكنّ باريس تدرك أن أي اجتياح جديد سيكون بمثابة هدية مجانية لـ “حزب الله”، الذي قد يستثمر الاحتلال لاستعادة مشروعية سلاحه، أو لولادة مقاومات جديدة تحت شعار “التحرير”، ما من شأنه أن ينسف المكاسب الاسرائيلية في الحرب الأخيرة على المستوى الاقليمي والداخلي اللبناني.
فرنسا، وفق المصادر، لا تنكر حق “حزب الله” في أن تكون له هواجسه الأمنية، لكنها ترى في الوقت نفسه أن من مصلحة الجميع التوصل إلى تسوية شاملة، تُنزع بموجبها الذرائع من إسرائيل، وتُمنح بيئة الحزب ضمانات حقيقية تتيح له تسليم السلاح من دون أن يُفسّر الأمر على أنه خضوع أو هزيمة. تسوية تحفظ ماء وجه الجميع، وتحيد لبنان عن صراعات المنطقة.
أما الحديث المتداول عن وضع لبنان تحت وصاية سورية بقيادة أحمد الشرع، فتعتبره المصادر محاولة تشويهية للواقع الجاري. فالمطروح، بحسبها، هو رعاية أميركية – فرنسية مشتركة للمساعدة في ضبط المسار اللبناني، على أن يكون لسوريا دور محوري في ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح. لكنها تشدد على أن هذه “الوصاية الجديدة” ستكون مختلفة جذرياً عن وصاية ما بعد الطائف، فالديموقراطية لن تكون ديكوراً، والقرار النهائي سيبقى للبنانيين، فيما تُطرح الأفكار الدولية ضمن شراكة لا وصاية مطلقة.
الشق الوحيد الذي قد يشهد “وصاية أمنية”، هو ذاك المتعلق بالسلاح غير الشرعي، بحيث تُرجّح المصادر أن تُدار هذه المسألة بالتعاون مع القوى المسلحة الرسمية اللبنانية، لا فوقها.
بين الحافة والهاوية، يبدو لبنان وكأنه في سباق مع الوقت: إمّا نحو تسوية متكاملة تحفظ الاستقرار، أو نحو انفجار قد يُعيد رسم الحدود والسلطات… وربما الخرائط.


