غزة… المكان الأكثر جوعاً على وجه الأرض

حسناء بو حرفوش

حذرت الأمم المتحدة من مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي في غزة، وأعلنت أنها “أكثر الأماكن جوعاً على وجه الأرض”. مع تأثيرات هذا الوضع على ملايين المدنيين، مقال في “إندبندنت” البريطانية ينظر في كيفية قتل الجوع في مناطق الصراع لأعداد أكبر من الناس مقارنة بالقنابل أو الرصاص، وكيف سيحكم التاريخ على هذه الفترة.

وحسب المقال، “ربما لا يوجد سلاح أكثر بدائية في الحروب من الجوع. قبل أن تطير المسيرات فوقنا وتضيء الصواريخ السماء ليلاً، كان الجنود يلجأون إلى الحصار والجوع لكسر عدوهم. حظر الطعام لا يستهدف الجنود فقط، بل يهاجم أسس الحياة المدنية نفسها (العائلات والمجتمعات والأطفال). واليوم، بينما يشاهد العالم الأزمة المتزايدة في غزة، أصبحت الأسئلة المتعلقة بحرمان الطعام عن السكان المدنيين مرة أخرى في مقدمة النقاش.

من الواضح تماماً، حتى من تصريحات الحكومة الاسرائيلية نفسها، أن الوصول إلى الطعام والمياه تقلص بصورة حادة في غزة كجزء من حملة عسكرية أوسع. منذ الهجمات الوحشية لحركة حماس في 7 أكتوبر 2023، ردت إسرائيل بحملة عسكرية تشمل ما وصفه وزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت بـ “الحصار الكامل”. واليوم يعاني المدنيون من الجوع. وقد حذرت الأمم المتحدة من “مستويات كارثية” من انعدام الأمن الغذائي، ومن أن غزة هي “أكثر الأماكن جوعاً على وجه الأرض” وتواجه كارثة، بينما لا تزال المساعدات تكافح للوصول إلى الفلسطينيين الذين يعانون من المجاعة. كما وصف رئيس الصليب الأحمر غزة بأنها “أسوأ من الجحيم على الأرض”.

في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، أعلنت مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من الولايات المتحدة أنها ستوقف عملياتها مؤقتاً في القطاع بعد أن قُتل ما لا يقل عن 58 فلسطينياً أثناء محاولتهم الوصول إلى مراكز توزيع المساعدات. وقد وصف الفلسطينيون الذين جمعوا صناديق الطعام مشاهد من الفوضى، حيث لا يوجد من يشرف على تسليم الإمدادات أو يتحقق من الهويات، فيما تتدافع الحشود للحصول على المساعدات.

ويظهر التاريخ أن لعبة الجوع العسكرية لها سلالة طويلة وقاسية كأداة في الحروب. قدمت الحروب في العصور الوسطى في أوروبا العديد من الأمثلة على الحصون والمدن التي تم حرمانها من الإمدادات حتى أجبر الجوع العدو على الاستسلام. على سبيل المثال، حصار قلعة روتشستر في عام 1215، خلال حملة الملك جون ضد البارونات المتمردين. عندما فشلت آلات الحصار والنفق في إخراج الحامية، أمر جون بتجويع المدافعين حتى الاستسلام. تصف السجلات الباقية الجنود الذين كانوا يغليّون الجلد لصنع الحساء ويأكلون الفئران. في النهاية، سقطت القلعة ليس بسبب الهزيمة العسكرية، بل بسبب الجوع.

بعد سبعة قرون، في لينينغراد (المعروفة حالياً باسم سانت بطرسبرغ) خلال الحرب العالمية الثانية، من عام 1941 إلى 1944، حاصرت جيوش هتلر المدينة بهدف صريح هو تجويع سكانها. “ليس لدينا مصلحة في إنقاذ السكان”، حسب المرسوم رقم 1,601 لهتلر. تم قطع الإمدادات عن المدنيين وقُصفوا من الجو. لقي أكثر من مليون شخص حتفهم، العديد منهم من الجوع، مع ظهور تقارير عن أكل لحوم البشر في أكثر الأشهر صعوبة. لم تكن لينينغراد قاعدة عسكرية، بل كانت مدينة مليئة بالنساء والأطفال وكبار السن. ومع ذلك، كان الجوع يُستخدم كسلاح رئيسي.

لم تكن لينينغراد الوحيدة. في سبتمبر (أيلول) 1943، عندما كانت القوات الألمانية تتراجع والمقاومة الايطالية تزداد، تم تدمير الإمدادات إلى مدينة نابولي. كان المدنيون يجمعون الطعام من الأنقاض؛ الأطفال ينهارون من الجوع. عندما وصل الكاتب نورمان لويس، الذي كان جندياً في ذلك الوقت، إلى نابولي، لاحظ أنها أصبحت “مدينة مدمرة، جائعة، محرومة من كل شيء يبرر وجود المدينة لتتكيف مع انهيار يشبه الحياة في العصور المظلمة”.

وتُعد الحرب في بيافرا في نيجيريا في أواخر الستينيات مثالاً مأساوياً آخر، حيث قام الجيش النيجيري بفرض حصار على بيافرا خلال محاولة قمع الانفصال، ما أدى إلى مجاعة واسعة النطاق. لقد هزت صور أطفال بيافرا الجياع (بطون منتفخة وأذرع هزيلة) العالم وساهمت في تعزيز حركة المساعدات الإنسانية.

يقدم حصار سراييفو في منتصف التسعينيات خلال الحرب البوسنية مثالاً أكثر حداثة. على الرغم من عدم قطع المدينة تماماً عن الإمدادات، إلا أن سكان سراييفو عانوا من نقص حاد في الطعام حين حاصرت القوات الصربية المدينة. كانت قوافل المساعدات الدولية غالباً ما تُحجب أو تُقصف. اصطف المدنيون للحصول على الخبز تحت مراقبة القناصين. كانت الاستراتيجية واضحة: الضغط على المدينة حتى ينهار المقاومة. أصبح الطعام أداة ضغط.

والآن، في غزة.. بينما سمح بعدد محدود من شاحنات المساعدات بالدخول، لا يزال حجمها أقل بكثير من المطلوب لإطعام سكان يبلغ عددهم حوالي مليوني شخص. يُقال إن الأطفال يموتون من سوء التغذية. تقول الأمم المتحدة إن المجاعة “وشيكة”. تكافح الوكالات الإنسانية للعمل في ظل الضربات الجوية، واتهم البعض إسرائيل بتعمد عرقلة المساعدات، ويبقى العبء الإنساني على المدنيين في غزة شديداً.. فالطعام ما عاد حاجة إنسانية فحسب، بل نقطة ضغط وانعكاس لتخطي كل الخطوط الأخلاقية”.

شارك المقال