لا يحتاج المرء إلى جهد كبير ليكتشف أن السياسة الخارجية الايرانية تجاه لبنان بدأت تتغيّر، على الأقل في المواقف المُعلنة التي عبّر عنها وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي، خلال زيارته إلى لبنان، وتمحورت حول فكرة رئيسية: رغبة إيران في فتح “صفحة جديدة” في علاقاتها مع بيروت، ملمّحاً إلى تحوّل في العلاقات الديبلوماسية التي لطالما ارتكزت على دعم “حزب الله”.
حتماً، هذا التحوّل – ولو كان كلامياً – خطف الأضواء، لا سيما أن من نطق به هو مسؤول رفيع، لا مجرد زائر إيراني عادي. لكن لا بد من التوقف عند شخصية عراقجي، التي لا يعرفها كثيرون. فهو يتقن الانكليزية، ويحمل دكتوراه من إحدى الجامعات البريطانية، ويتمتع بفهم عميق للمتغيرات في المنطقة، ويجيد استخدام تقنيات التواصل ببراعة، إلى درجة ألّف كتاباً بعنوان “قوة التفاوض”، ويكفي أنه يقود المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة الأميركية.
لكن، مهما بلغت براعة عراقجي، فإنه يبقى جزءاً من النظام الايراني المتشدّد دينياً وعقائدياً واجتماعياً، ويتبنى أدبيات هذا النظام، وخصوصاً مسألة تصدير الثورة الايرانية، التي لا مؤشرات واضحة على تخلّي النظام عنها. وما جرى في المنطقة منذ عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول 2023 وحتى اليوم، دفع إيران إلى إعادة النظر في سياساتها، بعد أن مُنيت أذرعها العسكرية، بدءاً من “حزب الله” مروراً بـ”حماس” وصولاً إلى الحوثيين، بخسائر كبيرة أمام إسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة. فقد تقلّص نفوذ “الحزب” في لبنان، وتلقّت إيران نفسها ضربات إسرائيلية قوية قلّصت قدراتها الصاروخية، مقابل ردّ إيراني غير فعّال نتيجة الدفاعات الجوية الاسرائيلية والأميركية.
ولا شك في أن عراقجي يُدرك أن لبنان يشهد تحولات كبيرة خلال الأشهر الستة الأخيرة، أبرزها انتخاب رئيس جمهورية جديد يعمل على حصر السلاح بيد الجيش اللبناني فقط، وتشكيل حكومة برئاسة شخصية سيادية ذات مكانة دولية، ووجود وزير خارجية لا يقبل بالممارسات الديبلوماسية السابقة التي لم تكن تحترم الدولة لصالح “الدويلة”. وقد سبق للوزير يوسف رجّي أن استدعى السفير الايراني في بيروت مجتبى أماني في نيسان الماضي على خلفية تصريحات تتهم الدولة اللبنانية بالتآمر على “الحزب” بهدف نزع سلاحه.
لكن السلوك الايراني الجديد في التعامل مع لبنان لا يزال يثير الريبة لدى غالبية اللبنانيين. ويعتبر ديبلوماسي لبناني سابق أن النظام الايراني لم يتغير في جوهر علاقته بلبنان، بل يستخدم الديبلوماسية لكسب الوقت. فموقف وزير الخارجية الايراني بدا مفاجئاً من حيث امتناعه عن ذكر “المقاومة” و”الحزب”، والأدبيات المعتادة منذ العام 2013 التي كانت تؤكّد نزعة الهيمنة عبر الذراع العسكرية، واستعاض عنها بتعابير ديبلوماسية تشدّد على ضرورة التعامل من دولة إلى دولة وعدم التدخل في الشؤون اللبنانية.
لكن العبرة تبقى في التنفيذ. فعلى الرغم من الخطاب الذي يحترم سيادة لبنان والانفتاح المفاجئ على الدولة، لا يزال عراقجي ينتمي إلى نظام ديني لم يتخلَّ عن أيديولوجيته، بل يبدو أنه يشتري الوقت. فالهدف ليس دعم الدولة اللبنانية، كما يروّج، بل تأجيل المواجهة، وتشتيت الأنظار، والحد من الأضرار التي لحقت بـ”الحزب”، وإعادة ترميم قوّته.
ويرى الديبلوماسي اللبناني السابق أن احتمال إعادة نظر النظام الايراني في استراتيجيته، وتخليه عن الجمود الأيديولوجي، يبقى وارداً، إلا أن الوصف الأدق هو أن عراقجي نفّذ مناورة تكتيكية في لبنان لتجاوز المرحلة الصعبة، وتخفيف التوتر بين إيران والدولة اللبنانية، والامتثال الشكلي للضغوط الدولية.
ما يميّز هذه المناورة هو اللغة المُستخدمة مع الصحافيين، إذ بدت أكثر من ديبلوماسية، ومرنة إلى أقصى الحدود. ففي كل محطات زيارته، ركّز عراقجي على فكرة واحدة: فتح صفحة جديدة بين لبنان وإيران تقوم على عدم التدخل في الشؤون اللبنانية.
لكن الجميع يعلم أن إيران تتقن استخدام الكلام المعسول، فيما أفعالها في اتجاه آخر، والتجارب معها تؤكد ذلك.
وتلفت مصادر في “القوات اللبنانية” إلى أن عراقجي أراد، من خلال زيارته لبيروت، استباق المطالب الأميركية في أي تسوية محتملة، عبر الإيحاء باستعداد إيران لإعادة النظر في علاقتها بذراعها العسكرية في لبنان، إذا كانت شروط الاتفاق مع واشنطن تراعي مصالحها. وبالتالي، على “الحزب” أن يفهم أنه أصبح ورقة للمساومة في “بازار” المفاوضات، وهذه ليست المرة الأولى التي تتخلّى فيها إيران عنه، فقد حصل الأمر نفسه في حرب الإسناد الأخيرة.
وترى المصادر أن طهران لا تزال تمارس التذاكي في حديثها عن أن مسألة احتكار السلاح بيد الدولة هي شأن لبناني داخلي، بينما المطلوب منها أن تطلب صراحة من “الحزب” التخلي عن السلاح. فلا أحد يتوهم أن تصريحات عراقجي تعني تخلياً فعلياً عن “الحزب”، بل رفع المسؤولية عن سلاحه عن كاهل إيران، ورميها في حضن اللبنانيين، وهو ما فعلته طهران أيضاً في مرحلة الشغور الرئاسي عندما كانت تدّعي أنها لا تتدخل في الشؤون اللبنانية.
وتؤكد مصادر “القوات” أن هذا التذاكي لا ينطلي على اللبنانيين، ولا على الولايات المتحدة، التي تندّد يومياً بالدور الايراني المزعزع للاستقرار في المنطقة، ولن يُسقِط هذا الدور من الحسابات في أي صفقة نووية محتملة. ومن البديهي أن الادارة الأميركية مدركة لمحاولات التحايل الايراني، التي تهدف إلى الحفاظ على الدور التوسعي لطهران في المنطقة.
ولا يُستبعد أن يكون هناك توزيع أدوار بين النظام الايراني و”الحزب” في ما يخص سلاح الأخير، بحيث يعلن عراقجي أن لا علاقة لإيران بسلاح “الحزب”، ويؤكد الأخير أنه لن يتخلّى عنه. وهذا ما يجب أن يدفع الدولة اللبنانية إلى التوقّف عن الرهان على المفاوضات الأميركية-الايرانية، بحسب مصادر “القوات”، وأن تتحمّل مسؤولياتها في احتكار السلاح، من دون التراجع أمام أي تهديدات. فهذه الخطوة باتت حاجة حياتيّة، لا تقلّ أهمية عن حاجة الإنسان الى الأوكسيجين، ومن دونها، ستضيع فرصة جديدة لبناء دولة حقيقية في لبنان.


