“La Bubu”… مرآة شعب يفتش عن الأمان

فاطمة البسام

في الأيام الأخيرة، اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي صورٌ وفيديوهات لدمية قماشية بسيطة تُدعى”La Bubu”.

وجوه بريئة، شعر خيطيّ، وملابس قد تكون مرقّعة. لا شاشة، لا أزرار، لا أضواء تومض. وعلى الرغم من ذلك، تحولت هذه الدمية إلى “ترند” مفاجئ في لبنان والمنطقة، خصوصاً بين النساء والشباب الذين بدأوا بنشر صورها مرفقة بتعليقات بين الساخرة والحالمة: “بدي La Bubu”، “حاسّة حالي La Bubu”، أو “لو كنت دمية، كنت صرت La Bubu”.

لكن خلف المزاح والنوستالجيا، تبرز أسئلة أعمق: ما الذي جعل دمية بسيطة تتحول إلى ظاهرة؟ ولماذا تعلّق بها الناس بهذه الطريقة العاطفية شبه الجماعية؟

“لا بوبو” ليست وليدة هذه اللحظة، بل لطالما كانت جزءاً من ذاكرة الطفولة اللبنانية كونها تشبه الدمى القماشية التقليدية التي كانت رائجة في الثمانينيات والتسعينيات لكن بملامح مختلفة أقرب إلى كونها شريرة.

في علم النفس، تُستخدم الدمى أحياناً كأدوات تعويضية للأطفال الذين يعانون من التوتر أو الحرمان العاطفي. هم يُسقطون عليها مشاعرهم المكبوتة، فيتحدثون إليها، يحتضنونها، يصرخون في وجهها، أو ينامون بجانبها. ما نراه اليوم هو تَوسُّع لهذه الظاهرة إلى البالغين: شعب متعب، مثقل بالأزمات، يبحث عن “لا بوبو” جديدة، ولو كانت افتراضية.

شهادات عن الحاجة إلى “La Bubu

رنا، 27 عاماً، كتبت في منشور على “إنستغرام”: “أنا بشتغل عشر ساعات بالنهار، وبالليل عم حس حالي فراغ. لما شفت صورة La Bubu، حسّيت فجأة إنو بدي شي يكون إلي، يضلّ ساكت، ما بيطلب مني شي… يمكن لأني ما عم لاقي هالشي بحياتي اليومية”.

أحمد، 31 عاماً، كتب ساخراً على “تويتر”: “أنا و La Bubuنخطط لنهرب من كل شي، إذا فيكي تطبخي كمان يا ريت تخبريني”.

وعلى الرغم من النبرة الساخرة، إلا أن هذه التعليقات تكشف عن حاجة عميقة إلى علاقة آمنة، بلا متطلبات ولا خيبات، حتى لو كانت رمزية. في بلد يغيب فيه الأمان العاطفي كما الاقتصادي، تصبح الدمية وسيلة إسقاط لمشاعر مكبوتة: من الخوف، إلى التعب، إلى الحاجة للحضن.

تقول سالي، 30 عاماً، لموقع “لبنان الكبير”: “اشتريت لا بوبو، وأنا مدركة وأعلم أنها قبيحة، حتى أن شكلها مخيف، شيء في داخلي أرادها بشدّة، بعد شرائها اعتدت شكلها ووجهها الدائري الشرير، وصرت أراها الجميلة”.

وتضيف: “أسعى الى إقتناء كل النسخ الموجودة منها”.

في لبنان، يتفاوت سعر دمية “La Bubu” بحسب مصدرها وحجمها. بعض المتاجر المحلية مثل “كارفور” يعرض دمى مشابهة بأسعار تبدأ من نحو 700 ألف ليرة لبنانية وقد تصل إلى أكثر من مليونين، في حين أن النسخ الأصلية من شركة Pop Mart تُعرض على مواقع عالمية مثل Amazon وWalmart بأسعار تتراوح بين 8 و20 دولاراً، أي ما يعادل مليوناً إلى ثلاثة ملايين ليرة لبنانية، من دون احتساب كلفة الشحن والجمرك. هذا الفارق يعكس ليس العرض والطلب وحسب، بل أيضاً التحول العاطفي الذي جعل من دمية قماشية منتجاً مطلوباً في زمن الانهيار.

دمية.. أو “مساحة نفسية آمنة

تعلق الاختصاصية في العلاج النفسي التحليلي، رانيا الحاج حسن، على هذه الظاهرة بالقول لموقع “لبنان الكبير”: “عودة هذه الدمى بصورة رمزية ترمز الى حاجة جماعية إلى الطمأنينة، La Bubu ليست لعبة فقط، بل تمثل الذات الطفولية التي لم تأخذ حقها في الأمان. التفاعل مع الدمية، حتى عبر السوشيال ميديا، يُشكّل استجابة نفسية غير واعية لمحاولة السيطرة على القلق أو استرجاع إحساس مفقود بالثبات”.

وتضيف: “اللافت أن هذا الترند انتشر بين الفئات العمرية التي يُفترض أنها خرجت من عمر اللعب. وهذا دليل على أن الأزمة ليست اقتصادية أو سياسية وحسب، بل هناك أزمة هوية وعاطفة، وانهيار شعور الأمان الشخصي والاجتماعي”.

استهزاء أم صرخة مكتومة؟

بعض المعلقين يسخر من الظاهرة: “صار بدكن لعبة تهتم فيكن؟”، “شو هالسخافة؟”. لكن هذه السخرية بحد ذاتها قد تكون آلية دفاعية. فالضحك أحياناً وسيلة للهروب من الاعتراف بكمّ القلق، الوحدة، والحاجة إلى الحضن. وربما، ما لا يستطيع قوله جيل متعب بصوت عالٍ، يقوله اليوم عبر “La Bubu”: نحن بحاجة إلى من يسمعنا، حتى لو كانت دمية.

وفي الختام يمكن القول إن دمية “La Bubu” أصبحت أكثر من مجرد “ترند”، هي مرآة لهشاشة جماعية، وتعليق ناعم على واقع نفسي قاسٍ نحاول التغلب عليه بالنكات والصور والنوستالجيا. وفي بلدٍ يتهرّب من الاعتراف بجروحه النفسية، ربما كان على دمية صامتة أن تفتح النقاش.

شارك المقال