اقترب موعد تنفيذ المرحلة الأولى من عملية نزع السلاح الفلسطيني من المخيمات، والمقررة في 16 حزيران الجاري، إلا أن حالة من الغموض لا تزال تكتنف هذا الملف، خصوصاً بعد زيارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى لبنان، وإعلانه عن استعداده للتعاون مع الدولة اللبنانية، لتكون جميع المخيمات الفلسطينية المنتشرة من شمال البلاد إلى جنوبها تحت سلطة الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية.
لكن ما إن انتهت زيارة عباس، التي حملت في طياتها الكثير من الايجابية، حتى بدأ يظهر في الأفق بعض التعقيدات. وقد تعاملت الحكومة اللبنانية مع هذه التعقيدات بليونة، مبديةً استعدادها للحوار والتفاوض، وهو ما فُهم من بعض الفصائل الفلسطينية، لا سيما حركة “حماس”، على أنه قبول لبناني بالمساومة في هذا الملف. وبات تنفيذ خطة نزع السلاح الفلسطيني عرضة للتأويلات، وسط غموض إعلامي وصمت رسمي، لا يوحي بأن الدولة حسمت أمرها، ما ينعكس سلباً على هيبتها.
لا شك في أن الانقسام الفلسطيني بين منظمة التحرير و”حماس” لعب دوراً كبيراً في “تمييع” قرار الدولة اللبنانية، إذ تجري حالياً مفاوضات داخلية بين الفلسطينيين أنفسهم حول الاستعداد لتسليم السلاح إلى الجيش اللبناني. وقد وصل أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية، عزام الأحمد، إلى بيروت الأحد الماضي، محاولًا تنسيق المواقف بين الفصائل، وعلى الأقل بين “فتح” وبعض الفصائل الأخرى، إلا أن الأجواء ليست مطمئنة، وليست جميع الأطراف موافقة على هذه الخطوة.
أما موقف “حماس”، فيبدو أكثر تشدداً عشية تنفيذ القرار، إذ تعتبر نفسها غير ملزمة بما اتُّفق عليه بين الدولة اللبنانية وعباس، وتميل إلى التفاوض المباشر مع الحكومة اللبنانية لضبط السلاح لا نزعه. في الوقت نفسه، تُبدي “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة”، التي سبق أن سلّمت طوعاً مخيم قوسايا للجيش اللبناني، امتعاضاً واضحاً بسبب استبعادها من النقاشات الجارية، علماً أنها لا تزال قوة مؤثرة في مخيمات مدججة بالسلاح، مثل عين الحلوة والرشيدية وبرج البراجنة جنوب بيروت.
قد يكون موعد 16 حزيران بمثابة “بروفا” لتسلم الجيش اللبناني الأسلحة الثقيلة من مخيمات بيروت، مثل قذائف الآر بي جي، والهاون، والرشاشات. لكن المرحلة الأصعب ستكون في الجنوب، نظراً إلى حساسية الوضع هناك. وكُشف أن الخطة تستثني الأسلحة الفردية المنتشرة بكثافة في المخيمات المضطربة.
ويُشكّك خبير في الشأن الفلسطيني في جدية الخطوة، معتبراً أن ما سيحدث ابتداءً من 16 حزيران لن يتجاوز الإطار الرمزي، إذ إن غالبية الفصائل، باستثناء “فتح”، لا تتلقى أوامرها من السلطة الفلسطينية، وبعضها مرتبط بإيران، ويتبع مرجعيات غير فلسطينية، ويستخدم كأداة لتعزيز النفوذ الايراني من خلال “حزب الله”. كما أن نزع السلاح تترتب عليه مسؤوليات كبيرة، تشمل الحقوق المدنية والاجتماعية للفلسطينيين، فهل الحكومة اللبنانية قادرة على تحمّل هذه المسؤوليات في الوقت الراهن؟
ومن يعرف الوضع الداخلي للمخيمات الفلسطينية، يدرك وجود عدد من الفصائل إلى جانب “فتح” و”حماس”، بعضها ذات طابع إسلامي سلفي متطرف، مثل “الجهاد الاسلامي”، و”عصبة الأنصار”، و”جند الشام”، و”عصبة النور”، و”أنصار الله”، و”كتائب عبد الله عزام” و”عصبة الإسلام”.
تمتلك هذه الفصائل جميعها أسلحة خفيفة ومتوسطة من أنواع مختلفة، بما في ذلك ترسانة من الصواريخ والصواريخ المضادة للدبابات. أما “حماس”، فتمتلك بنية تحتية منظّمة لصناعة الأسلحة في لبنان، تشمل القدرة على تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة، وربما حتى غواصات متفجرة مصغّرة.
المخيمات الفلسطينية الرئيسية المعروفة تشمل: الرشيدية، برج الشمالي، البص في صور؛ عين الحلوة، المية ومية في صيدا؛ شاتيلا (الذي يأوي حاليًا العديد من اللاجئين السوريين)، برج البراجنة في بيروت؛ البداوي ونهر البارد في طرابلس؛ ومخيم الجليل في بعلبك – البقاع.
وأفادت مصادر أمنية لبنانية بأن الخطة تنص على أن تتولى جهات فلسطينية محلية داخل المخيمات جمع الأسلحة بالتنسيق مع الجيش اللبناني، وضمن ضمانات أمنية. ولفتت إلى أن من لا يلتزم بالقرار قد يُواجه إلغاء إقامته في لبنان، أو حتى الترحيل.
لكن اللافت أن الخطة لم تذكر مخيمي عين الحلوة ونهر البارد، المعروفين بأنهما من أبرز بؤر الإرهاب. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت عملية نزع السلاح ستشملهما لاحقاً، أو متى.
ومن الوقائع التي تُعتبر مؤشرات على رفض بعض الفصائل الرئيسية، مثل “حماس” و”الجهاد الاسلامي”، تسليم سلاحه، ما حدث في 7 نيسان الماضي، حين نُظمت مسيرة في صيدا تضامناً مع غزة، شارك فيها قادة دينيون ونشطاء وممثلون عن “الجهاد الاسلامي” و”حماس” و”حزب الله”. ووجّه المتحدثون خلالها رسائل صريحة تعارض مطالب نزع سلاح “منظمات المقاومة”.
كذلك، هناك حوادث سابقة، أبرزها ما يتعلق بأحد مسؤولي “فتح”، منير المقدح، الذي يقود قوة عسكرية مستقلة ويسيطر فعلياً على مخيم عين الحلوة. ففي 25 آذار 2024، تمكّنت إسرائيل من اعتراض شحنة أسلحة إيرانية متطورة كانت مُهرّبة من الأردن، وتبيّن ضلوع المقدح في العملية، بتعاون مع استخبارات الحرس الثوري الايراني النشطة في سوريا. وهو معروف بتعاونه منذ سنوات مع “حزب الله” والحرس الثوري، فهل سيُسلّم سلاحه للجيش اللبناني؟
من الواضح أن مسألة تسليم السلاح الفلسطيني معقدة للغاية. وإذا استمرت “حماس” والفصائل الأخرى في رفض التعاون، ومارست الضغط على الدولة اللبنانية، فإن “فتح” نفسها قد تكتفي بتسليم جزء رمزي فقط من أسلحتها.
وعلى الرغم من أن التوجهات السياسية لـ”حماس” و”حزب الله” قد لا تلتقي دائماً، إلا أنهما يتقاطعان في رفض تسليم السلاح للجيش اللبناني. وربما يصحّ القول بأن “المصيبة تجمع”، فمع أن علاقة “حماس” مع المحور الشيعي المتشدد بقيادة إيران، ومع “حزب الله” تحديداً، كانت متقلّبة تاريخياً، فإن الحديث عن نزع سلاحهما يوحّدهما، ويُدخل الدولة اللبنانية في مأزق الغموض، ويكشف عجزها. وحتى لو شهدنا بعض الاجراءات الشكلية، فإن المراقبين يجمعون على أنها ستكون رمزية أكثر منها فعلية.
في المحصّلة، “حزب الله” لن يُسلّم سلاحه، وكذلك معظم الفصائل الفلسطينية داخل المخيمات. وغداً لناظره قريب!


